مقالات

من يملك حق توزيع صكوك الوطنية؟

بقلم: د. رياض الدليمي

من الذي يمنح صفة “الوطني”؟
وهل الوطنية قيمة أخلاقية تنبع من الضمير والانتماء، أم شهادة تصدرها جهة أو أشخاص، مهما كان تاريخهم أو نفوذهم السابق؟

في أجواء السياسة العراقية الحالية، حيث تتخلل الحكومة الفساد والولاءات الخارجية، يصبح السؤال عن الوطنية أكثر أهمية. الوطنية في معناها الحقيقي ليست مقياسًا للانتماء لأي سلطة، ولا امتيازًا يمنحه أحد، بل التزام بالقيم والمبادئ التي ترفع الدولة والمجتمع معًا.

الوطنية الحقيقية تعني الالتزام بالدولة ومؤسساتها، واحترام القانون، والإيمان بحق المجتمع في النقاش والمراجعة، ورفض أي ولاءات خارجية تحد من استقلال القرار الوطني. وكلما ضاق صدر الفضاء العام بالرأي المختلف، دلّ ذلك لا على قوة الدولة، بل على هشاشة ثقافة المشاركة والمسؤولية.

أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس النقد، بل احتكار تعريف الولاء الوطني. فالدول لا تضعف بسبب مقال، ولا تهتز بسبب رأي، بل تهتز حين يُستبدل الحوار بالإملاء، والإقناع بالتخويف المعنوي، والمؤسسات بالأمزجة.

احترام الرموز أو الجهات العامة، حتى تلك التي لها تاريخ سلطة، لا يعني تعطيل العقل، كما أن الاختلاف لا يعني خصومة. الفضاء الوطني الصحي هو الذي يسمح بتعدد الرؤى تحت سقف الدولة، لا تحت سقف أي جهة، مهما كانت خبرتها السابقة أو نفوذها التاريخي. أما حين يصبح الخلاف الفكري مرادفًا للتشكيك في الانتماء، فذلك مؤشر أزمة لا علامة قوة.

إن مراجعة التجارب او المسيرة السابقة، والنقد الصريح للأخطاء، ليس علامة ضعف، بل قوة. فالقدرة على التعلم من الهفوات التاريخية، والاعتراف بما وقع من إخفاقات، تعكس وعيًا ومسؤولية وطنية حقيقية. من يختلف بالرأي ويقدّم نقدًا موضوعيًا ليس ناقصًا في الوطنية ولا عميلًا، بل شريك في بناء وطن قوي، قادر على مواجهة التحديات وحماية استقلال قراره وسيادته.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع هو أن تتحول الوطنية إلى أداة تخويف معنوي، تُستثمر لإسكات المختلفين بدل محاورتهم. فالوطن لا يكبر بالطاعة الصامتة، بل بالنقاش الواعي، ولا تُحمى الدول بإسكات الأقلام، بل بتقوية مؤسساتها وثقة مواطنيها بأن الانتماء ليس منحة من أحد، بل حق أصيل لا يُصادر.

الوطنية لا تُقاس بالولاءات الخارجية، ولا بالمصالح المؤقتة، بل بالالتزام بالمبادئ والقيم التي ترفع المجتمع والدولة على حد سواء. الوطنية الحقيقية لا تخشى الكلمة؛ لأنها تدرك أن الكلمة ليست خصمًا، بل شريكًا في التصويب. أما الخطاب الذي يتوقع الطاعة المسبقة، فإنه يكشف، من حيث لا يقصد، عن ضعف منطقه أكثر مما يكشف عن صلابة موقفه.

لسنا بحاجة إلى وطنية عالية الصوت، بل إلى وطنية عالية الثقة. وطنية تؤمن بأن قوة الدولة في تنوعها، لا في توحيد الأصوات قسرًا.

ويبقى السؤال معلقًا في الفضاء العام:
هل الوطنية مسؤولية مشتركة… أم امتياز تمنحه جهة وتمنعه عن أخرى؟

الفرق بين الاثنين ليس لغويًا، بل هو الفرق بين دولة تحترم نفسها… ومشهد يبحث عن وصيّ.

د. رياض الدليمي

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى