منوعات

سليمة الراشدية… حين تتحوّل الحكاية إلى وطنٍ من الكلمات

بقلم: فايل المطاعني

في المشهد الثقافي العُماني، تبرز أسماء لا تمرّ مرور العابرين، بل تترك أثرًا يشبه العطر في الذاكرة. أسماء تصنع من الكلمة بيتًا، ومن الحرف نافذة على الجمال والدهشة. ومن بين هذه القامات المتألقة، تقف الكاتبة والشاعرة سليمة بنت حميد الراشدية شامخة بقلمٍ يعرف طريقه إلى القلب قبل الورق، ويجيد أن ينسج من الحكاية حياةً كاملة التفاصيل، نابضةً بالإحساس والصدق.
في عوالم السرد… دهشة البدايات
ندر أن تجد قارئًا لم يندمج في أجواء قصة عذراء أنجولا؛ حيث الطبيعة الخلابة تنبض بالحياة، وتفاصيل المشهد ترحّب بك كما لو أنك أحد شخوصه، وحيث “العنزة نيالا” تضيف لمسةً إنسانية دافئة تجعل الحكاية أقرب إلى القلب من مجرد نص مكتوب.
لكن خلف هذا الجمال السردي تقف كاتبة مبدعة، ينساب الحرف بين يديها بانسيابية نادرة، وتنصهر الكلمة في بوتقة إحساسها العميق، فتخرج مشبعةً بالدفء والصدق.
دخلت سليمة الراشدية بيوتنا أول مرة عبر اغتراب الروح، فأسرت القلوب بأسلوبها المختلف، وطرحت أسئلة الذات والانتماء بلغة رشيقة وعاطفة متزنة. ثم أهدتنا عملها الوطني الخالد أيقونة السلام قابوس بن سعيد وفاءً للمغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – فجاء النص مشبعًا بروح الحب والانتماء والاعتزاز.
وبين هذين العملين، ظلّت عذراء أنجولا تحفةً سردية تؤكد قدرتها على التحليق خارج الأطر التقليدية. ولو لم نكن نعرف الكاتبة حق المعرفة، لظن القارئ أنه أمام قلمٍ ذي أفقٍ عالمي.
ثم رفعت وتيرة أدائها القصصي في الطفلة الضائعة، حيث يتصاعد التشويق وتتداخل الخيوط الدرامية، لنبحث معها عن إجابات في في الذاكرة، ونرحل في فضاءٍ ناصع عبر بساطي الأبيض، قبل أن يكون الفستان الأحمر محطة نضج سردي لافتة تؤكد تطوّر تجربتها الأدبية.
أسلوبها الفني… لغة تمشي على نبض الشعور
تمتاز سليمة الراشدية بأسلوب سردي يجمع بين العذوبة والعمق؛ فهي لا تميل إلى الزخرفة اللغوية المفرطة، بل تعتمد لغة شفافة مشحونة بالإحساس، قادرة على تصوير المشهد بأقل الكلمات وأبلغها.
في نصوصها حضور واضح للصورة الحسية؛ فهي ترسم المكان كما لو كان لوحة، وتبني الشخصية عبر تفاصيل صغيرة لكنها عميقة الدلالة، مما يمنح العمل صدقًا إنسانيًا لافتًا. كما تتقن الانتقال بين الوصف والحوار بانسيابية تحافظ على إيقاع السرد دون انقطاع.
وتظهر روح الشاعرة في نَفَسها السردي؛ فجملها متوازنة موسيقيًا، تحمل نغمة داخلية هادئة، وكأن النص يُقرأ ويُسمع في آنٍ واحد. كما تعالج القضايا الإنسانية والاجتماعية بوعيٍ رصين بعيدًا عن المباشرة أو الوعظ، فتمنح القارئ مساحة للتأمل والتفكير، وهو ما يضفي على أعمالها بعدًا فكريًا إلى جانب بعدها الجمالي.
الشاعرة التي لا تغيب
سليمة الراشدية ليست كاتبة فحسب، بل شاعرة ذات أثر ملموس في إثراء الساحة العُمانية بجميل الشعر وأعذبه. تمتلك حسًا لغويًا رفيعًا، وتكتب بنبرة صادقة تتجاوز الزخرفة إلى جوهر الإحساس، فتمنح القصيدة روحًا لا مجرد إيقاع.
خاتمة
إن الكاتبة المتألقة سليمة بنت حميد الراشدية تمثل نموذجًا مشرفًا للثقافة العُمانية المكتملة؛ حضورًا وأثرًا ورسالة. هي أيقونة أدبية حقيقية تستحق أن نرفع لها القبعة تقديرًا واحترامًا، لأنها لا تكتب فحسب، بل تكتب بصدقٍ يلامس الإنسان فينا ويجعل من الحكاية وطنًا صغيرًا نسكنه ونعود إليه.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى