أوهام القوة في العراق والشرق الاوسط: تحليل تاريخي لسلوك التصريحات والمواقف الانفعالية
د. غازي فيصل حسين

الملخص التنفيذي
تهدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل ظاهرة التصريحات الانفعالية والأزموية لدى السياسيين في العراق والشرق الاوسط، والتي غالباً ما تكون مرتبطة بأوهام القوة والتقديرات الخاطئة للواقع. من خلال استعراض التاريخ السياسي العراقي المعاصر منذ عام 1958، تبرز الورقة كيف أن غياب الديمقراطية ودولة المؤسسات يؤدي إلى سلوكيات سياسية تؤثر سلباً على الدولة. يتم التركيز على أمثلة تاريخية مثل عهد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ولغاية 2003-2026، مع مقارنات إقليمية مع إيران وحماس وحزب الله.
المقدمة
في سياق السياسة العراقية، يلاحظ أن السياسيين غالباً ما يلجأون إلى لغة انفعالية وعنيفة في تصريحاتهم، مما يعكس ظاهرة تُعرف شعبياً بـ”الهوبرا” أو التباهي المفرط. هذا السلوك ليس عشوائياً، بل مرتبط بطبيعة الأنظمة السياسية غير الديمقراطية التي سادت العراق والمنطقة العربية. تسعى هذه الورقة إلى تفسير هذه الظاهرة من خلال تحليل تاريخي وسياسي، مع التركيز على كيفية تحول أوهام القوة إلى هزائم حقيقية. الأطروحة الرئيسية هي أن غياب المؤسسات الديمقراطية والاعتماد على الدعاية يؤدي إلى تقديرات خاطئة لعلاقات القوة، مما يعرض الدولة للمخاطر.
الخلفية التاريخية: طبيعة الأنظمة السياسية في العراق
منذ 14 يوليو 1958، التي أطاحت بالملكية، شهد العراق سلسلة من الأنظمة الديكتاتورية العسكرية التي لم تؤمن بالديمقراطية أو دولة المؤسسات. الزعيم عبد الكريم قاسم، كان أول رئيس للحكومة، أسس نظاماً يعتمد على القوة العسكرية، حيث كان الجيش والقوات المسلحة محور النظام السياسي. هذا النمط استمر مع عبد السلام عارف، الذي فرض نظام الحزب الواحد بتطبيق النموذج المصري للاتحاد الاشتراكي العربي، وبعد 17 تموز 1968 انفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة المطلقة على الدولة.
هذه الأنظمة لم تلتزم بدستور دائم أو القانون، بل اعتمدت على الديمقراطية الشعبية والدعاية الموجهة والمكثفة التي تركز على السلطة المطلقة للقائد. كان الدستور مؤقتاً، يُعدل حسب رغبة القائد، وترسخت الدولة الامنوقراطية وغابت المعايير الدقيقة لتقييم القدرات الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية. لقد ركزت الأنظمة على القوة العسكرية، مما أدى إلى فوضى داخلية، كما في احداث الموصل الدامية عام 1959 والمقابر الجماعية في كركوك وثقافة الاعدامات والسحل في محاكمات المهداوي الصورية ثم تحشيد فرقة عسكرية على الحدود العراقية الكويتية لاحتلال الكويت. وبعد الانقلاب على عبدالكريم قاسم واعدامه دخل العراق في فوضى بعد 8 شباط 1963 ثم انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 الذي قاد العراق نحو عسكرة النظام السياسي.
تكشف الأمثلة التاريخية كيف تحولت التصريحات الانفعالية إلى كارثة بسبب تقديرات خاطئة للقوة: حرب الخليج الأولى (1991): واجه العراق بعد احتلاله للكويت تحالفاً دولياً بقيادة الولايات المتحدة، يشمل 33 دولة. رغم التفوق الأمريكي في القوة الجوية، البحرية، والبرية، اعتمدت القيادة على الدعاية والتعبئة الشعبوية، لكن سوء تقدير الموقف العسكري وانعدام التوازن في علاقات القوة العسكرية؛ بين العراق والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، مما أدى الى هزيمة الجيش العراقي وتدمير 2.5 مليون من المنشآت الصناعية والبنية التحتية للطاقة والاتصالات والصرف الصحي، مما أعاد العراق إلى عصر ما قبل التاريخ وفق تهديد جيمي بيكر لطارق عزيز. لكن النظام لم يعترف بالهزيمة العسكرية معتبراً ان بقاء النظام السياسي يمثل انتصاراً للقيادة والقائد. ثم جاء غزو الولايات المتحدة الامريكية للعراق عام 2003: مرة أخرى، أخطأت القيادة في تقدير الموقف، واندفعت لمواجهة جيوش الولايات المتحدة وبريطانيا والحلفاء بدبابات وطائرات غير صالحة للحرب الحديثة. لقد ركزت الدعاية على استحضار أوهام القوة، لتحقيق النصر لكن الهزيمة العسكرية التي مني بها العراق كانت ساحقة.
أوهام القوة وحروب الهزيمة في الشرق الأوسط
أولا: هزيمة حزيران وذهاب مصر لاتفاقيات السلام
وبعودة لمراجعة أوهام القوة في جمهورية مصر بقيادة جمال عبد الناصر 1967، والخطب الشعبوية الرنانة وتحشيد الجماهير العربية في المعارك والمواجهات الكبرى، حيث أدت التصريحات الثورية عن استعادة مضايق تيران وانفتاح الجيش المصري في صحراء سيناء بمختلف صنوفه ونشر صواريخ الظافر والقاهر وبسبب سوء تقدير الموقف وصراعات مراكز القوى، التي أدت الى هزيمة سريعة في 5 حزيران 1967 خلال 6 أيام أمام إسرائيل، واحتلال إسرائيل لصحراء سيناء والقدس والضفة الشرقية إضافة للجولان السوري. وفي حرب أكتوبر استطاع الجيش المصري عام 1973 تحقيق عبور قناة السويس ولم ينجح في معالجة ثغرة الدفرسوار التي أحدثها الجيش الإسرائيلي لاختراق الجبهة المصرية وفرض الامر الواقع والتمهيد لعقد اتفاقيات السلام في كانب ديفيد، هكذا أدت التقديرات الخاطئة إلى عقد اتفاقيات سلام بعد حرب أكتوبر.
ثانيا: حرب ٧ أكتوبر في غزة وهزيمة المشروع الإيراني
منذ ظهور ولاية الفقيه في إيران عام ١٩٧٩ تبنى النظام الإيراني بناء مشروع امبراطوري قاعدته شرق أوسط إسلامي شيعي طرحه الرئيس مخمد خاتمي، واداة تحقيقه فيلق القدس في الحرس الثوري عبر القوة العسكرية تحت قيادة المرشد الأعلى للثورة الاسلامية، الذي يتمتع بحكم وسلطات دستورية مطلقة. وتحت شعارات تحرير فلسطين من البحر الى النهر اندلعت الحرب من غزة فى 7 أكتوبر 2023، وأدت بسبب سوء تقدير الموقف الى الدمار الشامل لقطاع غزة حيث بلغ عدد الضحايا من المدنيين أكثر من 176,000 ضحية، منهم قتلى يقدر عددهم بأكثر من 70,000 من الأطفال والنساء، وتدمير 92% من البنية التحتية للقطاع مع نزوح اكثر من 85% من السكان وتصفية قيادات حماس، مع ذلك تنطلق التصريحات للحديث عن النصر من قيادات حماس وحزب الله اللبناني وايران التي تتحدث عن نصر من الله بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة خلال حرب الـ 12 يوم التي كشفت ضعفاً خطيرا في القدرات الدفاعية الجوية والصاروخية والاستخبارية..
ثالثا: الأسباب الجوهرية لغياب تقدير الموقف لعلاقات القوة
يبدو ان السبب الرئيسي هو: عدم وجود قيادة عسكرية مهنية تقيم علاقات القوة العسكرية، اقتصادية، ثقافية. وبدلاً من ذلك: الاعتماد على الأيديولوجيات والعقائد الدينية أو المذهبية، كما في الفصائل العراقية المسلحة المدعومة إيرانياً. مع استمرار الدعاية والاعلام الدعاية، التي تخلق وتنشر الاوهام لدى الرأي العام. ان غياب حرية التعبير وعزل الشعوب عن العالم الخارجي ومصادر المعلومات، حيث يُمنع الوصول للإعلام الخارجي، ويُحرض ويعبئ الشعب نحو حروب عبثية.
وفي العراق اليوم بعد 2003، يسيطر ويحتكر السلطات «الإطار التنسيقي الشيعي»، الذي يؤمن بالحاكمية الشيعية ولا يطبق الدستور، كما لا يؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. هذا النمط يشبه النموذج السوفييتي أو الإيراني، حيث يهيمن حزب واحد أو مكتب سياسي على جميع المؤسسات، مما يجعل التصريحات الانفعالية أداة لتعزيز الهيمنة على الشعوب. هذه الأنظمة الثيوقراطية لا تتعلم الدروس، ولا تؤدي الهزائم إلى استقالة القيادات، بل إلى تمسك أكبر بالسلطة والترويج لادعاءات باطلة بالنصر.
ورغم التجارب المؤلمة، يستمر الخطاب الانفعالي في العراق، حيث تستمر احزاب الإطار التنسيقي الإسلامية الدعوية ومن خلال الفصائل المسلحة بالتهديد باستخدام القوة من خلال القصف الصاروخي والطائرات المسيرة وترسيخ هيمنة الدولة العميقة وتهميش مؤسسات الدولة. ان السبب الجوهري في غياب المراجعة والتقييم، يتمثل باستمرار طبقة الفساد المالي والسياسي في احتكار السلطة بسبب الولاء الحزبي والطائفي ويستمر الشعب يدفع الثمن. لذا لابد من التغيير من خلال بناء دولة المؤسسات الديمقراطية، مع مراجعة اقتصادية وسياسية دورية، كما في الدول المتقدمة.
خاتمة واستنتاجات
نستنتج أن الخطاب الانفعالي العنيف في السياسة العراقية هو انعكاس مباشر لبنية نظام سياسي غير ديمقراطي، لا يؤمن بالدستور ولا بالمؤسسات ولا بالمراجعة النقدية. إن أوهام القوة، المدفوعة بالدعاية والأيديولوجيا، قادت العراق مرارًا إلى هزائم مدمّرة، ولا تزال تهدد مستقبله ما لم يُعاد تعريف مفهوم القوة بوصفه قوة دولة ومؤسسات، لا قوة خطاب وشعارات.
إن الدرس التاريخي الأهم يتمثل في أن الواقعية السياسية، والمأسسة، والمحاسبة هي الشروط الضرورية لتجنب تكرار الكوارث، وأن أي نظام يرفض هذه الشروط محكوم بإعادة إنتاج الفشل، مهما ادعى النصر.



