شعر و قصص

قارون… حين يتحوّل الغنى إلى هاوية

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي / كاتب من سلطنة عُمان مسقط

لم يكن فقيرًا فاغتنى…
بل كان مثالًا لإنسانٍ فُتحت له أبواب الدنيا حتى أغرقته.

إنه *قارون*…
الرجل الذي لم يُهلكه الفقر، بل أهلكه *الغنى حين صاحبه الكِبر*.

اسمه: *قارون* (كما ورد في القرآن)
من بني إسرائيل عاش في زمن *موسى عليه السلام*
لا يوجد تحديد دقيق لعمره أو سنة هلاكه في النصوص الصحيحة.

قال الله تعالى:

*﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾* (القصص: 76)

كان من بني إسرائيل…
وقيل في بعض الروايات: إنه *ابن عمّ موسى عليه السلام*، نشأ بينهم، ويعرف الحق كما يعرفه موسى.

لكنه لم يسلك طريق النبوة…
بل اختار طريق الدنيا.

لم يكن غنيًا فقط…
بل كان ثريًا إلى حدٍ يفوق الخيال.

يصف القرآن ثروته بقوله:

*﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾*

مفاتيح خزائنه وحدها…
يحملها رجال أقوياء بصعوبة!

فكيف بالخزائن نفسها؟

لم يتركه قومه يغرق في الملذات والكبر والطغيان دون نصح…
بل جاؤوه بكلماتٍ لو فهمها لنجا:

*﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾*
*﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾*
*﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾*

نصائح بسيطة…
لا تمنع الغنى، بل تهذّبه.

لكن القلب إذا امتلأ بالدنيا… لا يسمع.

فجاء الرد الذي لخّص سقوطه:

*﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾* (القصص: 78)

أنا…
بعلمي…
بذكائي…
هكذا قالها.

لم ينكر النعمة فقط…
بل نسبها لنفسه، وكأن الله لا فضل له.

لم يكتفِ قارون بالغنى…
بل أراد أن يُظهره.

خرج يومًا على قومه في زينته، في موكبٍ يلمع بالبذخ والترف:

*﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾* (القصص: 79)

هنا انقسم الناس:

🔸 أهل الدنيا قالوا:
*﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾*

🔸 وأهل العلم قالوا:
*﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾*

بين نظرتين…
نظرة ترى البريق…
ونظرة ترى الحقيقة.

لكن النهاية… حين تتكلم الأرض

في لحظةٍ واحدة…
انتهى كل شيء.

لا حرب…
لا مرض…
لا إنذار طويل…

بل أمرٌ إلهي:

*﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾* (القصص: 81)

انشقت الأرض…
وابتلعته… هو… وقصوره… وأمواله في مكان لا يعلمه إلا الله.

ذهب كل شيء…
كأنه لم يكن.

ثم جائت لحظة الإدراك

الذين تمنّوا مكانه بالأمس…
استيقظوا اليوم على الحقيقة:

*﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ… لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾*

أمس كانوا يغبطونه…
واليوم يحمدون الله أنهم ليسوا مثله.

الخلاصة

قارون لم يهلك لأنه غني…
بل لأنه قال: *أنا السبب*.

لم تدمره الأموال…
بل دمّره *الغرور بها*

الرسالة خالدة

* المال نعمة… لكنه اختبار
* الغنى لا يرفع صاحبه… إن لم يرفعه شكره
* والكبر… لا يحتاج جيشًا ليهلك صاحبه… بل يكفيه كلمة.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى