في السياسة، كما في الحروب، ليست كل مبادرة سلام بريئة، ولا كل دعوة للتسوية منزّهة عن حسابات النفوذ . ما يجري في الملف السوداني يكشف بوضوح أن معركة الضغط باتت لا تقل شراسة عن معركة الميدان، وأن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف تتوقف الحرب، بل بأي ثمن، ولصالح من؟
التصريحات المتكررة الصادرة عن المبعوث الأمريكي مسعد بولس في عدد من المنابر، والتي تحدث فيها عن تفاهمات أو «موافقات مبدئية» من طرفي الصراع على ترتيبات إنسانية وسياسية ،وامنية ، تعكس إصرارًا أمريكيًا واضحًا على دفع مسار تسوية محدد المعالم. ففي مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز والعربية ، قال بولس إن آلية إدخال المساعدات إلى دارفور أصبحت «قريبة جدًا» بعد تنسيق مع قوات الدعم السريع ضمن إطار ما عُرف بالرباعية «الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات».
هذه النقطة تحديدًا تكشف جوهر الإشكال؛ فواشنطن تبدو حريصة على إبقاء المليشيا داخل معادلة التسوية، لا باعتبارها طرفًا مهزومًا يُعاد دمجه بشروط الدولة، بل كفاعل ينبغي إنقاذه سياسيًا لتأمين توازن تفاوضي. هنا يتحول السلام إلى أداة إدارة صراع أكثر من كونه مسارًا حاسمًا لإنهائه.
غير أن القراءة السودانية الرسمية لهذا المسار جاءت مغايرة تمامًا. ففي تخريج ضباط جامعة كرري أمس، جاء رد الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان حاسمًا ومحملًا برسائل متعددة. فالبرهان لم يكتفِ بتأكيد استمرار «معركة الكرامة» حتى القضاء على التمرد أو استسلامه، بل قدّم معادلة واضحة: الباب مفتوح للأفراد المغرر بهم، لكنه مغلق أمام بقاء التمرد ككيان مستقل. هذه الصياغة تعكس تمسك القيادة العسكرية بمنطق الحسم الميداني أولًا، ثم التسوية بشروط الدولة لاحقًا، وهو ما يتعارض موضوعيًا مع أي مقاربة دولية تسعى إلى تثبيت توازن بين الجيش والمليشيا.
خطاب البرهان حمل أيضًا بعدًا استراتيجيًا يتجاوز اللحظة الراهنة، خاصة حديثه عن بناء «جيش ذكي» قائم على التكنولوجيا والمعلومات. فهذه إشارة إلى أن المؤسسة العسكرية تفكر في ما بعد الحرب باعتبارها حربًا مختلفة في طبيعتها وأدواتها. ومن زاوية التحليل السياسي، فإن هذا التوجه يعزز فرضية أن القيادة العسكرية ترى الصراع وجوديًا طويل المدى، لا أزمة قابلة للإغلاق السريع عبر ترتيبات انتقالية هشة أو غير موثوقة.
أما بيان وزارة الخارجية السودانية في الرد على تصريحات مسعد بولس، فجاء بلغة دبلوماسية حاسمة ومحسوبة، بجانب أنه يحمل موقفًا صارمًا. فالوزارة حرصت على تثبيت ثلاث رسائل: أولها أن تقديم المقترحات لا يعني قبولها، وثانيها أن معيار التقييم هو المصلحة الوطنية العليا، وثالثها رفض أي صيغة تُفهم كتدخل في الشأن الداخلي. هذه الصياغة تعكس محاولة موازنة دقيقة بين عدم إغلاق الباب أمام الجهد الدولي المنتج، وعدم السماح بفرض مسارات ابتزاز تتجاوز السيادة والإرادة الوطنية.
التلاقي بين خطاب القيادة العسكرية وبيان الخارجية يعكس بناء موقف رسمي موحد يستند إلى مزاج شعبي متأثر بحجم الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع خلال الحرب. فقد وثقت التقارير الدولية الخروقات الجسيمة تجاه المدنيين، بما في ذلك اتهامات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، التي خلّفت جرحًا اجتماعيًا غائرًا، خصوصًا في دارفور وكردفان والجزيرة. هذا العامل يجعل أي حديث عن إعادة دمج المليشيا في الحياة السياسية أو الأمنية مسألة حساسة ومرفوضة داخليًا.
عند جمع هذه المواقف في لوحة واحدة، يتضح أن المشهد يتجه نحو فجوة متسعة بين المقاربة الأميركية والموقف الرسمي السوداني.
واشنطن تتحرك بمنطق إدارة النزاع وتثبيت توازناته تمهيدًا لتسوية سياسية، بينما تتحرك القيادة في الخرطوم بمنطق إنهاء التمرد ميدانيًا قبل أي عملية سياسية تقود إلى سلام. هذه الفجوة هي بيت القصيد في المرحلة الراهنة، وهي التي ستحدد ما إذا كانت التصريحات الأميركية ستتحول إلى مسار تفاوضي فعلي ، أم ستبقى مجرد ضغط سياسي محدود الأثر.
الأهم من ذلك أن الإصرار الدولي غير المباشر على إبقاء المليشيا ضمن معادلة الحل يحمل مخاطر استراتيجية، إذ قد يُفسَّر داخليًا بوصفه محاولة لإعادة تدوير الأزمة بدل إنهائها. وفي بيئة صراع عالية الحساسية مثل السودان، فإن أي تسوية لا تنطلق من احتكار الدولة المشروع للسلاح ستظل عرضة للانهيار، مهما بلغت قوة الضمانات الخارجية.
في المحصلة، بحسب #وجه_الحقيقة، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات: إما تقدم ميداني يعزز موقف الخرطوم ويفرض شروطها التفاوضية، أو ضغط دولي متزايد لفرض وقف إطلاق نار ضعيف الضمانات، أو حالة شد وجذب طويلة تُبقي الحرب في المنطقة الرمادية. وبين هذه المسارات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الدولة السودانية على توحيد جبهتها الداخلية، لأن معارك السيادة في النهاية لا تُحسم في البيانات وحدها، بل في توازن الإرادة بين الداخل والخارج.
دمتم بخير وعافية
الأربعاء 25 فبراير 2026م Shglawi55@gmail.com



