مقالات

العراق بين سيادةٍ منقوصة ودولةٍ فاشلة : أي أفقٍ للخلاص الوطني؟

ضياء الصفار

في خضمّ التحولات الإقليمية المتسارعة، وعلى وقع صراعاتٍ محتدمة تحيط بالعراق من مختلف الاتجاهات، يبرز سؤالٌ جوهري يفرض نفسه بإلحاح ..ما هو الوصف الأدق لطبيعة السلطة الحاكمة في العراق اليوم؟ وهل ما زال بالإمكان الحديث عن دولةٍ مكتملة الأركان، أم أننا إزاء نموذجٍ سياسي هجين فقد الكثير من مقومات السيادة والفاعلية؟
منذ عام الغزو والأحتلال في 2003، دخل العراق مرحلةً جديدة تشكّلت فيها منظومته السياسية على أسس مغايرة لطبيعة الدولة الوطنية الحديثة. فقد أُعيد بناء النظام السياسي وفق معادلة المحاصصة الطائفية والإثنية، الأمر الذي أضعف مفهوم المواطنة، وأحلّ بدلاً عنه منطق الانتماءات الفرعية بوصفها محدداً رئيسياً في تقاسم السلطة والثروة. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه المعادلة مجرد آلية لإدارة التنوع، بل تحوّلت إلى بنيةٍ مُنتجة للأزمات، تعيد إنتاج نفسها عبر الانقسام والتنازع.
ضمن هذا السياق، يمكن توصيف الحكومة العراقية بأنها تعبيرٌ عن سيادةٍ منقوصة، حيث لا يُصنع القرار الوطني بمعزلٍ عن تأثيرات خارجية متشابكة. لقد أصبح العراق ساحةً مفتوحة لتقاطع الإرادات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني الذي تمدّد داخل مفاصل الدولة السياسية والأمنية، مقابل حضورٍ دولي لا يزال مؤثراً، وإن بأدواتٍ مختلفة. هذا التداخل لم يُضعف فقط استقلال القرار، بل قيّد أيضاً قدرة الدولة على تبنّي سياساتٍ وطنية خالصة.
أما على المستوى التنفيذي،فإن الدولة العراقية هي أفضل نموذج للدولة الهشة الفاشلة حيث تعاني من اختلالٍ واضح في احتكار العنف المشروع، في ظل وجود قوى (فصائل) مسلحة موازية تتقاطع مع مؤسسات الدولة وتتنافس معها . كما أن تفشّي الفساد المؤسسي، وتراجع كفاءة الجهاز الإداري، وعجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية بشكلٍ مستقر، كلها مؤشرات تعكس خللاً بنيوياً في أداء الدولة ووظيفتها.
ولا تقلّ أزمة الشرعية خطورةً عن غيرها، إذ تواجه السلطة الحاكمة تحدياً مزدوجاً ..فمن جهة، تعاني من تآكل الثقة الشعبية نتيجة تراكم الإخفاقات والفشل المستمر ومن جهةٍ أخرى، تستند في جزءٍ من بقائها إلى توازناتٍ خارجية، ما يجعل شرعيتها الوطنية موضع تساؤل دائم. وفي ظل هذه المعادلة، تتحول الحكومة إلى ما يشبه “إدارة أزمات” دائمة، تفتقر إلى مشروعٍ وطني جامع، وتكتفي بسياسات احتواءٍ مؤقتة تمنع الانهيار، لكنها لا تبني الاستقرار.
إن هذا الواقع المركّب يضع العراق أمام مفترق طرق تاريخي. فاستمرار الوضع القائم يعني تعميق الفشل، وربما الانزلاق نحو أشكالٍ أكثر خطورة من التفكك، في حين أن أي محاولة للتغيير غير المدروس قد تفتح أبواب الفوضى على مصراعيها. ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المعارضة الوطنية العراقية، بوصفها أحد الفاعلين المحتملين في إعادة التوازن للمشهد السياسي.
غير أن هذا الدور لا يمكن أن يكون فاعلاً ما لم يتجاوز منطق الرفض إلى منطق البديل. فالتجارب أثبتت أن إسقاط الأنظمة دون وجود مشروعٍ وطني واضح المعالم لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات بأشكالٍ مختلفة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المعارضة يتمثل في قدرتها على بلورة رؤيةٍ سياسية متكاملة، تقوم على إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة، واستعادة السيادة الوطنية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد بوصفه شرطاً لازماً لأي إصلاحٍ حقيقي.
كما أن توحيد الخطاب السياسي، وبناء قاعدةٍ شعبية عابرة للطوائف والانتماءات الضيقة، يُعدّان من المتطلبات الأساسية لنجاح أي مشروعٍ تغييري. فالعراق، بتعقيداته الاجتماعية والسياسية، لا يحتمل مشاريع إقصائية جديدة، بل يحتاج إلى عقدٍ وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في المحصلة، يمكن القول إن العراق اليوم دولةً منهارة تحكمها الفوضى كما أنه ليس دولةً مستقرة بالمعنى الحقيقي. إنه يقف في منطقةٍ رمادية بين البقاء والتفكك، تحكمه توازناتٌ دقيقة وهشة في آنٍ واحد. وبين هذا وذاك، يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالاتٍ متعددة، يتحدد مسارها بمدى قدرة القوى الوطنية على الانتقال من حالة التشخيص إلى فعل التغيير المسؤول.
إن استعادة العراق لدوره ومكانته ليست مهمةً مستحيلة، لكنها تتطلب إرادةً سياسية صلبة، ورؤيةً استراتيجية بعيدة المدى، وقبل كل شيء، توافقاً وطنياً يعيد للدولة معناها، وللسيادة مضمونها، وللمواطن ثقته بأن هذا الوطن ما زال قابلاً للحياة.

25 / آذار / 2026

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى