
تمر علينا بعد اسبوع ذكرى أليمة قوضت المشروع العربي والإسلامي والعراقي .. ذكرى احتلال العراق في التاسع من نيسان ٢٠٠٣ تحت ذرائع وحجج كاذبة وفي خطوة أنهت مايسمى بالشرعية الدولية وواجبات الامم المتحدة وغيرها من الادعاءات التي ثبت انها حبر على ورق …هذه الذكرى الأليمة والكارثة أثارت في نفسي طريقة وأسلوب تعامل الغرب الامبريالي الصهيوني مع قضية العراق الذي لم يهدد أحد ولم يثبت امتلاكه لأية اسلحة محرمة دوليا بل ان لجان التفتيش المخابراتية لم تبقي له اي سلاح يدافع به عن نفسه سيما بعد ان تم تدمير كل الأسلحة بمافيها الصواريخ التي أبقت لجان التفتيش على عدد محدود جدا منها بمدى خمسين كليو متر ؟! ووو… هذه الذكرى الفاجعة تثير موضوع مهم يضع حدثين كبيرين بينهما ٢٣عاما في سياق واحد (كيف تعاملوا مع العراق واحتلوه وكيف تعاملوا مع ملالي ايران)؟! ….. لكن الحقيقة أن هناك فروقات جوهرية عميقة بين احتلال العراق عام 2003 والحرب والتصعيد الحالي ضد إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. والتي يمكن ان أعزوها استراتيجيًا في سياق مايلي:
أولاً: طبيعة الهدف العسكري والسياسي
العراق 2003 والهدف كان إسقاط النظام بالكامل (نظام الرئيس العراقي صدام حسين) مع تبني مشروع شامل لهدم النظام والدولة وإعادة تشكيلهما عبر احتلال مباشر وتغيير النظام وكتابة دستور جديد).
ومن ناحية مبررات الحرب فكانت اكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي لم يثبت وجودها لاحقًا والحرب على الإرهاب ولحد الان لا احد يعرف اي أرهاب قصدوه؟!
إيران الآن
فالهدف ليس إسقاط النظام مباشرة (حتى الآن) بل تحجيم النفوذ الإقليمي وضرب البرنامج النووي الذي اسس وتطور امام أنظار وعلم أمريكا واسرائيل ؟!وإضعاف الحرس الثوري ووكلائه والتركيز على الردع والتآكل التدريجي وليس احتلالًا مباشرًا
ثانيًا: شكل الحرب
تم استهداف العراق غزو بري شامل
احتلال مباشر للعاصمة بغداد خلال أسابيع ووجود قوات أمريكية على الأرض لسنوات
في حالة إيران الان فهي حرب مركبة
ابتداءا من الضربات الجوية والصاروخية دقيقة وحرب سيبرانية واستخدام وكلاء (حروب بالإنابة) لا يوجد حتى كتابة هذه السطور عملية غزو بري شامل لأن كلفته هائلة
ثالثًا: البيئة الدولية
في عام ٢٠٠٣ كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة عالميًا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مع معارضة دولية محدودة التأثير وشكلية من فرنسا وألمانيا وروسيا مع غطاء سياسي جزئي عبر تحالف الراغبين (٣٦)دولة
اما اليوم في حرب ايران فنحن امام العالم متعدد الأقطاب ودعم غير مباشر لإيران من روسيا والصين وأي حرب واسعة قد تتحول إلى نزاع دولي كبير والاقتصاد العالمي مترابط سيما النفط والملاحة والطاقة
رابعًا: قوة الدولة المستهدفة
العراق كان منهكًا بالعقوبات ومحاصرا بشكل وحشي منذ 1991 والجيش بدون تحديث اصبح ضعيف نسبيًا ناهيك عن فرض عزلة سياسية شبه كاملة على العراق!!
اما إيران اليوم فقد اصبحت دولة ذات قدرات صاروخية كبيرة ومسيرات وكل هذه القدرات كانت تحت أنظار أمريكا وإسرائيل
والأخطر ان ملالي ايران اسسوا شبكة وكلاء إقليميين في العراق ولبنان واليمن وسوريا
كما اصبح لديها خبرة في الحروب غير التقليدية وهي ليست معزولة بالكامل
خامسًا: الجغرافيا العسكرية
العراق أرض مفتوحة نسبيًا (سهلية) يسهل التقدم البري
اما إيران فهي عبارة عن جغرافيا معقدة من الجبال وعمق استراتيجي كبير تجعل أي غزو بري كابوسًا عسكريًا
سادسًا: دور إسرائيل
في 2003 كان دور إسرائيل فعال ولكن غير مباشر دعم سياسي واستخباراتي
الان في عام ٢٠٢٦ فاعل رئيسي في العمليات وتشارك في الضربات والتخطيط
وتعتبر إيران تهديدًا وجوديًا مباشرًا
سابعًا: موقع العراق في المعادلة
2003 كان ساحة الحرب نفسها
الآن العراق أصبح ساحة نفوذ إيراني
ونقطة اشتباك غير مباشر وممرًا لوجستيًا واستراتيجيًا بمعنى ان العراق انتقل من هدف إلى ساحة صراع؟!
ثامنًا: السيناريوهات المحتملة
في العراق 2003 كانت النهاية واضحة بسقوط النظام واحتلال البلد
في إيران الآن
هناك عدد من السيناريوهات المفتوحة منها:-
1.احتواء طويل الأمد (الأرجح)
2.ضربات محدودة للبرنامج النووي
3.تصعيد إقليمي شامل
4.انهيار داخلي تدريجي (أقل احتمالًا على المدى القريب)
يمكن تلخيص الفرق الجوهري بجملة واحدة الحرب على العراق كانت مشروع احتلال وتغيير للنظام أما الحرب على إيران فهي مشروع كسر نفوذ دون احتلال مباشر (حتى الآن).



