
لم يعد الحديث عن المعارضة الوطنية العراقية ترفاً سياسياً أو جدلاً نظرياً، بل أصبح ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية العميقة مع صراعات إقليمية محتدمة، تهدد بإعادة تشكيل المنطقة على حساب الدول الضعيفة والممزقة.
ففي الداخل، يقف العراق أمام واقع مثقل بالفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وسلطة مرتهنة بلا قرار ،وتآكل الثقة بين المواطن والسلطة، بينما في الخارج تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما ينذر بتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وبين هذين المستويين، يصبح غياب مشروع وطني جامع خطراً وجودياً، لا مجرد خلل سياسي عابر.
من هنا، تبرز المعارضة الوطنية بوصفها أداة ممكنة لإعادة التوازن، شرط أن تتحرر من إرث التشتت، وتغادر مربع الشعارات إلى فضاء الفعل المنظم. فالمعارضة، في جوهرها، ليست حالة احتجاج دائم، بل هي مشروع بديل، يمتلك رؤية واضحة، وأدوات تنفيذ، وقدرة على إقناع الداخل والخارج معاً.
غير أن الإشكالية الأساسية التي واجهت المعارضة العراقية خلال السنوات الماضية لم تكن في قلة الشعارات، بل في غياب التنظيم، وتضارب الأجندات، وارتهان بعض أطرافها لاعتبارات خارجية أو حسابات ضيقة. وهو ما أفقدها القدرة على التحول إلى قوة مؤثرة، رغم توفر عناصر القوة الكامنة فيها.
إن الدور المطلوب اليوم من المعارضة الوطنية يتجاوز حدود النقد إلى بناء مشروع إنقاذ متكامل، يقوم على ركائز أساسية، في مقدمتها استعادة سيادة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء منظومة الفساد، وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية. وهي أهداف لا يمكن تحقيقها دون توحيد القوى الوطنية ضمن إطار مؤسسي واضح، يتجاوز الانقسامات التقليدية، ويستند إلى معيار الكفاءة لا الانتماء.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أهمية الاستفادة من الخبرات العراقية المتراكمة، بمختلف خلفياتها، بما في ذلك الكوادر التي تميزت بقدراتها وأدائها وعطائها في الصناعة الوطنية وتطوير العراق خلال مرحلة النظام الوطني السابق ، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار وطني جامع، يقدّم مصلحة العراق على أي اعتبار حزبي أو أيديولوجي، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الشراكة لا الإقصاء، وعلى المستقبل لا اجترار الماضي.
لكن نجاح هذا المشروع يظل مرهوناً بقدرة المعارضة على استعادة ثقة الشارع العراقي، وهو أمر لا يتحقق عبر الخطابات العالية، بل من خلال تقديم حلول واقعية لمشكلات الناس اليومية، والانخراط في قضاياهم، وبناء نموذج مختلف في الأداء والسلوك السياسي. فالجمهور لم يعد يبحث عن شعارات جديدة، بل عن بدائل حقيقية.
وعلى المستوى الدولي، فإن تقديم المعارضة كقوة معتدلة ومسؤولة، تسعى إلى استقرار العراق، وتحترم قواعد العمل السياسي والدبلوماسي، يمثل عاملاً حاسماً في كسب الدعم الخارجي، دون الوقوع في فخ الارتهان أو التبعية. فالعالم اليوم لا يبحث عن شعارات، بل عن شركاء يمكن الوثوق بهم.
إن اللحظة الراهنة تضع المعارضة الوطنية العراقية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تعيد إنتاج ذاتها كقوة متفرقة تعيش على هامش الأحداث، أو أن تتحول إلى مشروع وطني منظم، قادر على التأثير في مسار الدولة، والمساهمة في إنقاذها من الانهيار.
وفي المحصلة، فإن استعادة العراق لا تبدأ من إسقاط هذا الطرف أو ذاك، بل من بناء بديل وطني متماسك، يمتلك رؤية وإرادة وأدوات. فالدول لا تُنقذ بالشعارات، بل تُبنى بالمشاريع، ولا تُستعاد بالانقسام، بل بوحدة الهدف والقرار.
إنها لحظة اختبار حقيقي…
والمعارضة الوطنية، إن أحسنت قراءتها، يمكن أن تكون بداية الطريق نحو استعادة الدولة، لا مجرد شاهد على إنهيارها .
1 / نيسان / 2026



