مقالات

ثقافة الاستعجال

الكاتبة / وجنات صالح ولي.

في زمن السرعة حين أصبح العمق رفاهية وحين فقدت الأشياء لذتها
لم تعد السرعة مجرد وسيلة لتسهيل الحياة، بل تحوّلت إلى أسلوب وجود. كل شيء يحدث بسرعة: الأخبار، القرارات، العلاقات، وحتى الأحلام. أصبح التأخير مصدر قلق، والانتظار شعورًا غير مريح، والبُطء تهمة غير معلنة في عالم يقيس القيمة بما يتحقق فورًا.
نعيش في زمن السرعة:
قرارات سريعة، علاقات سريعة، نجاح سريع، حتى الحزن صار له وقت قصير.
المقال يناقش سؤال مهم:
هل السرعة تطور… أم فقدان عمق؟
في زمن السرعة، لم نعد نمنح الأشياء وقتها الطبيعي. نريد النتائج قبل التجربة، والنهايات قبل الرحلة، والإجابات قبل الأسئلة. وهنا تحديدًا بدأت اللذة تتآكل. لأن جزءًا كبيرًا من جمال الأشياء كان يسكن الطريق إليها، لا الوصول فقط.
ثقافة الاستعجال أعادت تشكيل وعينا دون أن ننتبه. أصبحنا أقل صبرًا، أسرع حكمًا، وأكثر قابلية للملل. لم تعد التفاصيل تثير اهتمامنا كما كانت، لأن العقل اعتاد الإيقاع المرتفع، والانتقال السريع، والتحفيز المستمر. ومع الوقت، صار العمق يبدو مجهودًا إضافيًا لا ضرورة له.
في العلاقات تحديدًا، يظهر أثر السرعة بوضوح. تعارف سريع، قرب سريع، توقعات سريعة، ثم فتور أسرع. لم يعد هناك مساحة كافية للنضج التدريجي، ولا لاكتشاف الطبقات الهادئة في الإنسان. وكأننا نتعامل مع المشاعر بعقلية الاستهلاك: ما لا يمنح شعورًا فوريًا يُستبدل.
أما النجاح، فقد أصبح هو الآخر أسير السرعة. تنتشر الحكايات المختصرة، والطرق السريعة، والصور النهائية دون ما سبقها من تعب وتراكم. فينشأ شعور خفي بأن البطء فشل، وأن الطريق الطويل علامة تأخر، بينما الحقيقة أن معظم ما يبقى طويلًا… بُني ببطء.
المشكلة ليست في السرعة نفسها، بل في تحوّلها إلى معيار قيمة. حين يصبح الإنجاز السريع أفضل دائمًا، والرد السريع أذكى، والنتيجة السريعة أكثر أهمية، فإننا نخسر شيئًا غير مرئي: القدرة على التذوق، على التعمق، على العيش داخل التجربة بدل المرور فوقها.
بعض الأشياء لا تُختصر دون أن تفقد معناها: المعرفة، الثقة، الحب، التعافي، وحتى الفرح الحقيقي. هذه أشياء تنضج، لا تُنجز. تحتاج وقتًا صامتًا لا يظهر في الصور، لكنه يصنع الفرق كله.
ربما لهذا السبب يشعر كثيرون بأن الأشياء لم تعد تُبهج كما كانت، رغم أن الخيارات أكثر والسرعة أعلى. لأن اللذة ليست في كثرة ما نمر به، بل في مقدار ما نشعر به أثناءه. والسرعة الزائدة تقلّل الشعور حتى لو زادت التجربة.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال هو كيف نبطئ العالم، فهذا مستحيل، بل كيف لا نفقد أنفسنا داخله. كيف نعيد لبعض الأشياء حقها في الوقت، وكيف نقاوم فكرة أن كل ما يتأخر أقل قيمة.
ليس كل بطيء متأخرًا، وليس كل سريع ناضجًا. أحيانًا، العمق يحتاج شجاعة… لأنه يسير عكس الإيقاع السائد.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى