فاني لو هامر… حين وقف الجسد المُنهك في وجه أمة كاملة
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان-مسقط

وُلدت فاني لو هامر في 6 أكتوبر 1917 في مقاطعة مونتغومري بولاية ميسيسيبي، الطفلة العشرين في أسرةٍ تعمل في حقول القطن بنظام المشاركة الزراعية. لم تولد وفي يدها كتاب، بل ولدت وفي يدها مجرفة. كان الجنوب الأمريكي آنذاك يعيش تحت قوانين الفصل العنصري، حيث تُقاس قيمة الإنسان بلون بشرته.
كبرت فاني بين الحقول، وانقطع تعليمها مبكراً، شأن آلاف الأطفال السود الذين حُرموا من أبسط حقوقهم. عرفت العمل قبل أن تعرف الحلم، وعرفت القهر قبل أن تعرف القانون.
لكن القدر كان يدخر لها موعداً مع التاريخ.
31 أغسطس 1962… بداية الوعي
في ذلك اليوم، وكانت تبلغ 44 عاماً، استقلت حافلة متجهة إلى محكمة المقاطعة في إنديانولا، ميسيسيبي، محاولةً تسجيل اسمها للتصويت لأول مرة في حياتها.
هناك، وُضعت أمامها “اختبارات محو أمية” صُممت خصيصاً لإفشال السود. رُفض طلبها.
عادت مساءً لتجد صاحب المزرعة التي تعمل بها يخيرها بين سحب طلب التسجيل أو مغادرة الأرض. قالت بهدوءٍ يشبه العاصفة:
*“لم أذهب لأُسجِّل من أجلك… ذهبت من أجلي.”*
وفي تلك الليلة، فقدت عملها ومنزلها.
بعد أيام قليلة، أُطلقت 16 رصاصة على المنزل الذي كانت تقيم فيه. لم تُصب، لكن الرسالة كانت واضحة: الصمت أأمن من الحرية.
9–12 يونيو 1963… سجن وينونا
في طريق عودتها من ورشة تدريب على حقوق التصويت، اعتُقلت في مدينة وينونا.
داخل السجن، أُجبر سجينان أسودان على ضربها بعصا مطاطية بأمرٍ من الشرطة. استمر التعذيب أياماً.
تجلط الدم فوق عينها اليسرى. تضررت كليتاها. أصيبت ساقاها بإصاباتٍ سببت لها عرجاً دائماً. لم تعد قادرة على ثني أصابعها كما كانت.
خرجت من السجن وجسدها يحمل آثار الضرب… لكن صوتها خرج أكثر صلابة.
22 أغسطس 1964… أمام أمةٍ كاملة في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في أتلانتيك سيتي، وقفت فاني لو هامر أمام اللجنة الوطنية لتدلي بشهادتها باسم حزب الحرية الديمقراطي في ميسيسيبي.
بثت شهادتها على شاشات التلفاز. تحدثت عن السجن، عن الضرب، عن الخوف، عن الليل الطويل الذي لا ينتهي.
ثم سألت السؤال الذي اخترق الضمير الأمريكي:
*“هل هذه هي أمريكا، أرض الأحرار وموطن الشجعان؟”*
حاول الرئيس ليندون بي جونسون تشتيت البث بمؤتمر صحفي مفاجئ، لكن القنوات أعادت بث شهادتها مساءً، فسمعها الملايين. لم تعد امرأة من ميسيسيبي… أصبحت ضميراً وطنياً.
6 أغسطس 1965… انتصار القانون
بعد عامٍ واحد، صدر Voting Rights Act of 1965، الذي حظر اختبارات محو الأمية وفتح باب التصويت أمام السود في الجنوب.
لم يكن القانون وليد خطابٍ واحد، لكنه كان ثمرة دموعٍ كثيرة، وكان صوت فاني أحد أكثر الأصوات تأثيراً في تعجيله.
لم يكن نضالها سياسياً فحسب. في عام 1969 أسست “Freedom Farm Cooperative”، لتمنح العائلات الفقيرة أرضاً وغذاءً ومأوى.
كانت تؤمن أن الحرية لا تُقاس بالصندوق الانتخابي فقط، بل بالخبز على المائدة.
في 14 مارس 1977، توفيت فاني لو هامر عن عمر 59 عاماً بسبب فشلٍ في القلب ومضاعفات صحية مزمنة، كثير منها يعود إلى آثار ضرب عام 1963.
دُفنت في ميسيسيبي… الولاية نفسها التي حاولت كسرها.
لكنها لم تُكسر.
الكلمة التي بقيت
قالت يوماً:
*“لا أحد حر… حتى يتحرر الجميع.”*
ومنذ 6 أكتوبر 1917 حتى 14 مارس 1977، لم تكن حياتها مجرد سيرة شخصية، بل كانت مسيرة أمة تتعلم — ببطءٍ وألم — معنى أن يكون الإنسان إنساناً.
بعض الناس يُذكرون لأنهم عاشوا طويلاً.
وفاني لو هامر تُذكر لأنها جعلت الحياة نفسها تقف وتستمع.



