شعر و قصص

وحوش كاتدرائية نوتردام… حراس الحجر وأسرار السحاب

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي -كاتب من سلطنة عُمان - مسقط

بين غيوم باريس المتدافعة وظلال التاريخ الممتدة، تنتصب كاتدرائية نوتردام (سيدة باريس) كشاهد صامت على قرون من التحولات. هذا الصرح الذي بدأ بناؤه في عام ١١٦٣م واستغرق ما يقارب المائتي عام ليكتمل، لا يحمل فوق جدرانه مجرد حجارة صماء، بل جيشاً من الكائنات الغريبة التي تثير في النفس مزيجاً من الرهبة والفضول.
تلك “الوحوش” التي تسكن المرتفعات ليست مجرد زينة، بل هي فلسفة معمارية ودينية تنقسم إلى عالمين مختلفين:

*أولاً: “الجارجويلز” – المنقذون خلف أقنعة الرعب*

وُلدت هذه الكائنات في العصور الوسطى، وهي ليست مجرد تماثيل، بل هي جزء من عبقرية الهندسة القوطية. تمتد أعناق “الجارجويلز” بعيداً عن الجدران، وتعمل كمزاريب لتصريف مياه الأمطار وحماية الحجارة من التآكل.
أما عن أشكالها المرعبة، فقد ساد معتقد ديني حينها يرى في هذه البشاعة وسيلة لحماية الكنيسة؛ حيث اعتقد الناس أن الشياطين والشرور تهرب فزعاً عندما ترى كائنات تفوقها قبحاً تحرس الأبواب، وكأن الكنيسة تستخدم الرعب لدفع الرعب.

*ثانياً: “الكيميرات” – تأملات في أفق العاصمة*

على عكس رفاقها، وُلدت “الكيميرات” في وقت متأخر، وتحديداً خلال القرن التاسع عشر، حين استدعى المهندس الشهير “أوجين فيوليه لو دوك” هذه المخلوقات الأسطورية لتكتمل بها هيبة الكاتدرائية.

تفتقر الكيميرات إلى الوظيفة العملية (تصريف المياه)، فهي مخلوقات خيالية صامتة، تجلس بثبات على الشرفات العالية. تمثل هذه التماثيل الجانب الفلسفي والجمالي، حيث تبدو وكأنها كائنات من عوالم أخرى سكنت الكاتدرائية لترقب أفق باريس، متأملة في صخب البشر في الأسفل بهدوء يبعث على التأمل والغموض.

*تاريخ يمتد عبر الأزمان*

تعتبر كاتدرائية نوتردام، التي يتجاوز عمرها اليوم ٨٦٠ عاماً، قلب فرنسا النابض. لقد شهدت تتويج الأباطرة، ونجت من الثورات والحروب، وحتى بعد حريقها المأساوي مؤخراً، ظلت وحوشها الرابضة فوق البرجين رمزاً للصمود، تذكرنا بأن الجمال والقوة قد يكمنان أحياناً خلف وجوه تبدو للوهلة الأولى “موحشة”.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى