شعر و قصص

أول العُصاة… سيرة السقوط الأكبر في تاريخ الخلق _ الرقم ١ “إبليس اللعين”

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي . كاتب من سلطنة عُمان مسقط

لم يكن أوّل من عصى الله إنسانًا، ولم تبدأ الخطيئة من الأرض…
بل بدأت من السماء، من مخلوقٍ عابدٍ ارتقى بطاعته حتى جاور الملائكة، ثم هوى في لحظةٍ واحدة، لا بذنبٍ خفي، بل بكِبرٍ ظاهرٍ جاهر به أمام ربّ العالمين.

إنه *إبليس*… الاسم الذي صار رمزًا لكل تمرّد، ولكل نفسٍ رأت نفسها أكبر من الحق.

اسمه: إبليس، وقيل إن اسمه قبل المعصية عزازيل (ورد في بعض الآثار).
أصله: من الجن، وليس من الملائكة، كما قال تعالى:
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (الكهف: 50).

*من نور الطاعة إلى ظلمة الكِبر*

كان إبليس من الجن، خلقه الله من نار، ومع ذلك بلغ منزلةً عالية بالعبادة، حتى صار في مصافّ الملائكة في الطاعة والذكر. لم يكن مَلَكًا، لكنه ارتقى بعمله، حتى ظنّ — أو أُعجب — بمكانته.

ثم جاء الاختبار… الاختبار الذي كشف حقيقة القلوب لا ظاهر الأعمال.

خلق الله آدم عليه السلام، وكرّمه، ثم صدر الأمر الإلهي الذي لا يُردّ:
*﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾*

فسجدت الملائكة جميعًا، طاعةً خالصة، لا جدال فيها ولا تردد…
إلا واحدًا.

*﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾* (البقرة: 34)

*لحظة السقوط*

لم تكن معصية إبليس مجرد رفض، بل كانت *اعتراضًا عقليًا على أمرٍ إلهي*، وكأنّه يقول: أفهم أفضل!

قالها بوضوح:
*﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾* (الأعراف: 12)

بهذه الكلمة، بدأ السقوط.

قاس بعقله القاصر، ففضّل النار على الطين، وغفل عن أن الفضل ليس في المادة، بل في أمر الله. لم يُخطئ فقط… بل *تكبّر عن الحق*، ورفض الانقياد له.

وهنا يتجلّى معنى الكِبر الحقيقي:
ليس أن ترى نفسك كبيرًا فحسب، بل أن تردّ الحق حين يأتيك، وأن ترفض الخضوع له.

🔸 هنا تتجلى أنواع الكِبر:

الاعتراض على أمر الله
التفضيل بعنصر الخِلقة (نار vs طين)
رفض الحق مع العلم به

وقد عرّف النبي ﷺ الكِبر بأنه:
“بطر الحق وغمط الناس” (رواه مسلم)

*الطرد من الرحمة*

كان الحكم سريعًا وحاسمًا:
*﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾* (الحجر: 34-35)

في لحظة، تحوّل من عابدٍ مقرّب… إلى مطرودٍ ملعون.

ليس لأنه جهل، بل لأنه *استكبر وهو يعلم*.

*بداية العداوة الأبدية*

بدل أن يتوب، أو يندم، اختار طريقًا آخر… طريق الانتقام.

طلب من الله أن يُمهله إلى يوم القيامة، لا ليُصلح، بل ليُفسد:
*﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾*

ثم أعلن خطته بلا مواربة:
*﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾* (الأعراف: 16)

لم يقل: سأضلّهم في الطرق البعيدة…
بل قال: *على الصراط المستقيم*، حيث يظن الإنسان أنه على هدى.

ثم أقسم أن يأتيهم من كل الجهات، يزيّن لهم الباطل، ويؤخّر توبتهم، ويزرع في قلوبهم الشك والغفلة.

*ذريته… جيش الوسوسة*

لم يكن إبليس وحده، بل له ذرية من الشياطين، ينتشرون بين البشر، يوسوسون، ويُزيّنون، ويُضلّون.

قال تعالى:
*﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾* (الكهف: 50)

إنها معركة ممتدة… لا تُرى بالعين، لكنها تُخاض في القلوب.

*النهاية… خذلان أتباعه*

وفي يومٍ تتكشف فيه الحقائق، ويُقضى الأمر، يقف إبليس خطيبًا في أتباعه، لا لينقذهم… بل ليتبرأ منهم:

*﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾* (إبراهيم: 22)

يعترف أنه لم يكن له سلطان، إلا الدعوة… وهم استجابوا.

ثم يكون المصير المحتوم:
*﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾* (ص: 85)

فحذر يا بني آدم أن يغويك إبليس وأعوانه عن الحق والسراط المستقيم.

📖 أولًا: آيات التحذير من إبليس والشيطان
1️⃣ العهد الإلهي لبني آدم
كما ذكرت، من أقوى الآيات:

﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ۝ وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (يس: 60-61)

2️⃣ التحذير العام من اتخاذه عدوًا
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: 6)

🔸 أمر مباشر: لا تكتفِ بمعرفته، بل عامله كعدو.

3️⃣ عدم اتباع خطواته
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: 168)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (النور: 21)

🔸 لم يقل “اتبعوه” بل “خطواته” → لأنه يضل تدريجيًا.

4️⃣ التحذير من فتنة إبليس كما حصل لآدم
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 27)

5️⃣ كشف عداوته القديمة
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (الكهف: 50)

6️⃣ تحذير من وسوسته وزخرفته
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ (البقرة: 268)

7️⃣ بيان هدفه النهائي
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (المائدة: 91)

8️⃣ التحذير من الغرور بالدنيا
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (فاطر: 5)

🔸 “الغرور” هنا فُسّر بأنه الشيطان.

9️⃣ براءة الشيطان من أتباعه يوم القيامة
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ… مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ (إبراهيم: 22)

🔸 تحذير من النهاية: يترك أتباعه.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى