بروس لي: “قيلولة التنين الأخيرة”* الميلاد في ساعة النار
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

في قلب الحي الصيني بسان فرانسيسكو، وفي ساعة التنين من عام ١٩٤٠م، وُلد “لي جون فان”. لم يكن ميلاده عادياً، فقد جاء إلى الدنيا في بلاد الغربة بينما كان والده، نجم الأوبرا الكانتونية، في جولة فنية. لكن القدر كان يخبئ لهذا الطفل صراعاً من نوع آخر؛ فسرعان ما عادت العائلة إلى هونج كونج، ليجد الصغير نفسه في بيئة قاسية تعصف بها ويلات الحرب والفقر.
أزقة هونج كونج لم تكن طفولة بروس لي ناعمة؛ كان طفلاً مشاكساً، “نمرًا” صغيراً يقضي وقته في معارك الشوارع. كانت قبضته هي لغته الأولى للتواصل مع عصابات الأزقة المظلمة في “كولون”. ومن رحم هذا العنف، تولدت لديه الرغبة في الانضباط، فاتجه إلى المعلم الأسطوري “إيب مان”(Ip Man) ليتعلم فن “الوينج تشون”. هناك، لم يتعلم بروس كيف يضرب فقط، بل بدأ يفهم أن القتال هو “هندسة للروح” قبل أن يكون حركة للجسد.
بسبب تمرده وخوف عائلته عليه من السجن، أُرسل بروس إلى أمريكا وهو في الثامنة عشرة من عمره.
في واشنطن، كان يغسل الأطباق نهاراً ليؤمن لقمة عيشه، ويدرس الفلسفة في الجامعة ليلاً. كانت تلك الفترة هي “المختبر” الذي صهر فيه قوته البدنية مع فكر “لاوتسو” و”بوذا”. آمن بروس بأن المقاتل يجب أن يكون “كالماء”؛ لا شكل له، ينساب في الفراغات ويحطم الصخور بصبره.
الطريق إلى النجومية: اختراق جدار “هوليود”
بدأ بروس يبرز كظاهرة فريدة؛ قوة بدنية هائلة وسرعة لا تدركها العين المجردة. لفت الأنظار في بطولة “لونج بيتش” الدولية للكاراتيه، مما فتحه له أبواب التلفزيون في مسلسل “The Green Hornet” ١٩٦٦م. ورغم موهبته، اصطدم بجدار العنصرية في هوليود التي لم تكن مستعدة لبطولة رجل آسيوي.
عاد إلى هونج كونج، ليصنع هناك “ثورة” سينمائية. بأفلام مثل “The Big Boss” ١٩٧١م و”Fist of Fury” ١٩٧٢م، حطم الأرقام القياسية وأصبح بطلاً قومياً يعيد الكرامة للإنسان الشرقي. لم تكن أفلامه مجرد صراخ وركلات، بل كانت رسائل فلسفية عن الإرادة والتحرر.
اللحظة الصفر: الشقة والغموض
في العشرين من يوليو المشؤومة. كان بروس في قمة مجده، يضع اللمسات الأخيرة على فيلمه “دخول التنين”. توجه إلى شقة زميلته الممثلة “بيتي تينغ باي” لمناقشة السيناريو. كانت الأجواء في هونج كونج خانقة، وكان الصداع يفتك برأس التنين كأنه نذير شؤم.
قامت “بيتي” بمنحه حبة “إيكواجيسيك”(Equagesic) لتسكين آلامه. لم يتردد بروس، ابتلع الحبة التي كانت تحمل في طياتها “السم” الذي لم يحسب له حساباً؛ رد فعل تحسسي نادر أدى إلى وذمة دماغية هائلة. استلقى بروس ليأخذ قيلولة قصيرة ليرتاح من عناء اليوم.. لكنها كانت “قيلولة التنين الأخيرة”.
الرحيل الذي صار خلوداً
رحل بروس لي في ال٢٠ من يوليو ١٩٧٣م عن عمر يناهز ٣٢ عاماً، تاركاً وراءه جسداً خامداً ولغزاً لم يحل تماماً حتى اليوم. هل قتله “الترياد” بتقنية “لمسة الموت”؟ أم كانت لعنة سكنت منزله؟ أم هي الأقدار التي لم تحتمل بقاء روح بهذه السرعة في وعاء بشري؟
لقد علمنا بروس لي أن الحياة لا تقاس بعدد السنين، بل بعمق الأثر. رحل التنين، لكنه ترك لنا وصية خالدة: “الخالدون هم أولئك الذين تركوا شيئاً وراءهم يذكره العالم”.
كانت حياة بروس لي كشهابٍ احترق بشدة ليضيء ليل الإنسانية. لم تكن وفاته مجرد حادث طبي، بل كانت نهاية تليق بمحاربٍ فلسفي عاش حياته “كالماء”؛ يتكيف مع كل الظروف، حتى صار هو والكون شيئاً واحداً.
لكن القطعة الأكثر رعباً في هذا اللغز جاءت بعد ٢٠ عاماً؛ حيث توفي ابنه، براندون لي، في موقع تصوير فيلم “ذا كرو” (The Crow) ١٩٩٣م عندما أطلق مسدس سينمائي رصاصة حقيقية.
جيلان، ونجمان صاعدان.. هل كان حادثاً طبياً غريباً؟ أم كان بروس لي رجلاً عرف أكثر مما يجب، وتحرك بسرعة أكبر مما ينبغي، فأوقفته قوى لا نفهمها بعد؟
قد لا نكتشف الحقيقة المدفونة في ذلك القبر في هونج كونج أبداً، ولكن شيئاً واحداً مؤكد: ترك “التنين” بصمة على العالم لا يمكن لأي لغز أن يمحوها.
يقول البعض إنه لم يمت، بل أنهى عمله فحسب.. ومضى في طريقه.



