شعر و قصص

الرجل الذي حمل قارة على كتفيه

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

وُلد عبد الرحمن بن حمود السميط في دولة الكويت عام ١٩٤٧م، في زمنٍ كانت فيه الأحلام تُقاس بالوظيفة والمكانة والراحة. كبر، ودرس، وتفوّق، حتى صار طبيبًا مختصًا في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، وتخرّج من جامعات مرموقة، وعاش حياةً مستقرة يملك فيها المال والجاه والمستقبل المضمون.

كان كل شيء يقول له: *ابقَ هنا*
لكن شيئًا في داخله كان يهمس: *هناك من ينتظرك*.

في مطلع *الثمانينيات الميلادية*، وتحديدًا عام *١٩٨١م* ، اتخذ القرار الذي سيغيّر مسار حياته ومسار ملايين غيره. لم يترك خلفه وظيفة فقط، بل ترك نمط حياة كاملًا. حمل زوجته وأطفاله، وسافر لا إلى مدن الضوء، بل إلى *أعماق القارة الأفريقية* ، حيث القرى التي لا تصلها الخرائط، ولا تزورها الكاميرات.

*حياة بلا حماية*

لم تكن أفريقيا التي عاشها أفريقيا الصور الدعائية، بل أفريقيا الجوع والملاريا والمستنقعات.

نام في خيام بالية، شرب مياهًا ملوثة، وأكل طعامًا بالكاد يصلح للبقاء. أُصيب بأمراض خطيرة، وتعرّض لعدة جلطات دماغية وقلبية، وواجه تهديدات الجماعات المسلحة، ووقف مرارًا على مسافة خطوة واحدة من الموت.

كان يستطيع العودة في أي وقت.
لكن حين سُئل: *لماذا لا ترتاح؟*
أجاب بجملةٍ أصبحت عنوان حياته:

*كيف أرتاح وإخوتي يموتون جوعًا وجهلًا؟*

من طبيب إلى مشروع حضاري

في العام نفسه (١٩٨١م) أسّس جمعية العون المباشر (وكان اسمها في بدايتها لجنة مسلمي أفريقيا)، لتتحول جهوده الفردية إلى عملٍ مؤسسي منظم، امتد لاحقًا إلى أكثر من ٣٠ دولة أفريقية.

وعلى مدى نحو ٢٩ عامًا من العمل المتواصل حتى وفاته، لم يكن يكتب التقارير من المكاتب، بل كان يعيش في الميدان، يشرف بنفسه، ويتنقّل بين القرى.

أرقام… لكنها أرواح

بحسب التقارير الرسمية لجمعية العون المباشر والمصادر التوثيقية:

* تم حفر آلاف الآبار لتوفير المياه النظيفة
* إنشاء آلاف المدارس والمعاهد التعليمية
* بناء جامعات ومراكز صحية ومستشفيات
* كفالة مئات الآلاف من الأيتام
* تأهيل آلاف الدعاة والمعلمين من أبناء القارة

أما الأثر الأعظم، فقد تمثّل في أن أكثر من ١١ مليون إنسان نطقوا الشهادتين اللَّهُ أكبر
نتيجة العمل الدعوي والتنموي المتكامل، وهو رقم ورد في تصريحات رسمية للجمعية، ويعكس أثر المشاريع التعليمية والصحية والدعوية الممتدة، لا مجرد الدعوة الفردية المباشرة.

في ١٥ أغسطس ٢٠١٣م، وبعد صراع طويل مع المرض، رحل الدكتور عبد الرحمن السميط عن عمرٍ ناهز *٦٦ عامًا.*

لم يترك قصرًا، ولا حساباتٍ ضخمة، لكنه ترك:

* قارةً كاملة تذكر اسمه بالدعاء
* وملايين الشهود على أن الإنسان الواحد قد يكون أمة
* وإرثًا إنسانيًا تجاوز الجغرافيا والدين واللون

رحل الجسد…
لكن أثره ما زال يمشي على قدمين في قرى أفريقيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى