بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
في فضاءات الحياة اليومية، وحين تتقاطع دروب البشر في المساحات المشتركة؛ في بيئات العمل، أو السفر، أو الجوار، أو حتى في تلك اللقاءات العابرة التي قد لا تتكرر، فإننا لا نلتقي وجوهًا وأجسادًا فحسب، بل تلتقي معنا عقولٌ مختلفة، وطبائع متباينة، وتجارب خفية لا نعرف عنها شيئًا.
وفي خضم هذا التفاعل الإنساني المستمر، يظهر تمايز دقيق بين الناس؛ فهناك من يمتلك بوصلةً فكرية وأخلاقية توجه سلوكه، فيعرف متى يتحدث، وكيف يتحدث، وبأي كلمة يبدأ، وأين ينبغي أن يتوقف؛ وهناك من يرتجل المواقف والكلمات بعشوائية، فيقول ما يريد بالطريقة التي يريد، دون أن يدرك أن للكلمة مقامًا، وللإنسان كرامة، وللمواقف أبوابًا لا تُفتح جميعها بالمفتاح ذاته.
ومن هنا تبدأ إحدى أجمل مهارات التعامل الإنساني وأكثرها عمقًا: **الفراسة الإنسانية وبلاغة الانتقاء**.
والفراسة هنا ليست ادعاء معرفة خفايا الناس، ولا إصدار الأحكام عليهم من وجوههم أو ملابسهم أو مظاهرهم؛ فالوجوه لا تكشف دائمًا ما تخبئه القلوب، والمظاهر قد تخدع، والانطباعات الأولى قد تصيب وقد تخطئ.
إنما الفراسة التي نعنيها هي **القدرة على قراءة السياق الإنساني قبل الدخول فيه**؛ أن تتأمل الموقف، وتلاحظ من أمامك، وتراعي سنه وظروفه وحالته وطبيعة المكان، وأن تسأل نفسك قبل أن تتكلم: هل هذا هو الوقت المناسب؟ هل هذه هي العبارة المناسبة؟ هل يمكن أن أقول ما أريد بطريقة أرقى؟ وهل سيصل مقصدي كما أريده، أم ستفسده الطريقة التي اخترتها؟
فالإنسان اللبيب لا يندفع نحو الآخرين بعباراته كسهامٍ مرسلة، بل يمنح عقله لحظةً قصيرة تسبق لسانه.
وقد تكون هذه اللحظة الصغيرة هي الفارق بين موقف ينتهي بابتسامة، وموقف يترك جرحًا في النفس.
**فالفراسة ليست أن تحكم على الإنسان من مظهره، بل أن تقرأ من ظاهر الموقف ما يعينك على حسن مخاطبة باطن الإنسان.**
وقد يجتمع شخصان، على سبيل المثال، في ممر ضيق، أو مقعد سفر، أو مكان عمل، أو مساحة مشتركة، فيحتاج أحدهما من الآخر أمرًا بسيطًا.
وهنا لا تكمن المشكلة غالبًا في الطلب ذاته، وإنما في **الطريقة التي قُدِّم بها**.
فبين أن تقول لإنسان: «ابتعد من هنا»، وأن تقول له: «لو سمحت، هل يمكن أن تترك لنا هذه المساحة؟» قد لا تختلف النتيجة العملية كثيرًا، ولكن بين العبارتين مسافةً كاملة من التربية والوعي والاحترام.
فالطلب واحد، والغاية واحدة، لكن الكلمة هي التي صنعت الفارق.
وهذا هو ما يمكن أن نسميه **بلاغة الانتقاء**.
فالبلاغة في التعامل الإنساني ليست في فصاحة اللسان وحدها، ولا في زخرفة العبارات، وإنما في أن تختار من الكلمات ما يحقق غايتك دون أن يجرح كرامة إنسان، وأن تصل إلى ما تريد دون أن تجعل الطرف الآخر يشعر بأنه صغير أو متهم أو غير مرحب به.
ولعل من أعظم الآفات التي تصيب بعض تعاملاتنا اليومية ما يمكن تسميته بـ **«الأنانية الفكرية»**؛ وهي أن يرى الإنسان قيمه واحتياجاته وحقوقه من زاويته وحده، متناسيًا أن للآخرين أيضًا قيمًا وحقوقًا وخصوصيات ومشاعر لا تقل أهمية عن قيمه وخصوصيته.
فيظن بعض الناس، دون أن يشعروا، أنهم وحدهم أصحاب المبادئ، وأنهم وحدهم الحريصون على النظام، أو الخصوصية، أو الأخلاق، أو احترام المكان.
فيخاطب أحدهم الآخرين بلهجة تحمل افتراضًا مسبقًا بالتقصير، أو سوء ظن مبطنًا، قبل أن يعرف مَن أمامه أو يسمع منه كلمة واحدة.
وقد يكون الشخص الذي يقف أمامه أكثر منه حرصًا على تلك القيم، وأشد التزامًا بالنظام، وأعمق فهمًا للخصوصية، وأكثر ترفعًا في سلوكه.
*فليس كل من طالب بالخصوصية أكثر حرصًا عليها ممن أمامه، وليس كل من تحدث عن الاحترام أكثر احترامًا؛ فالقيم لا تُقاس بارتفاع الصوت في الدفاع عنها، وإنما بالطريقة التي نمارسها بها.*
وهنا تظهر قيمة **حسن الظن**.
فالأصل في التعامل الإنساني ألا تبدأ علاقتك بالآخرين من منصة الاتهام، بل من مساحة الاحترام.
لا تفترض أن من أمامك يريد الإساءة قبل أن يسيء، ولا أنه يجهل النظام قبل أن يتبين لك ذلك، ولا أنه أقل منك وعيًا لمجرد أنك لم تعرفه من قبل.
فالإنسان كتاب مغلق، وليس من الحكمة أن تكتب نهايته قبل أن تقرأ صفحته الأولى.
ولذلك كانت **دبلوماسية الكلمة** من أعظم صور الذكاء الاجتماعي.
فالكلمة الواحدة يمكن أن تُصاغ بألف وجه.
يمكنك أن تطلب فتُحرج، ويمكنك أن تطلب فتُكرم.
يمكنك أن تنصح فتجرح، ويمكنك أن تنصح فتفتح قلبًا.
يمكنك أن تعترض فتخلق عدوًا، ويمكنك أن تعترض بالكلمات نفسها تقريبًا فتربح احترام من خالفك.
فالحق لا يحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع، والموقف الصحيح لا يمنح صاحبه رخصةً لسوء الأسلوب.
وما أبلغ التوجيه القرآني في هذا الباب حين يقول الله تعالى:
**﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾**
*الإسراء: 53*
وتأملوا دقة التعبير القرآني: **﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾**.
فليس المطلوب فقط أن تكون الكلمة حسنة، بل أن يبحث الإنسان، حين تتعدد أمامه طرق التعبير، عن **الأحسن**.
فقد تكون هناك كلمة صحيحة، ولكن هناك كلمة ألطف منها.
وقد يكون هناك رد مشروع، ولكن الصمت أجمل منه.
وقد يكون لك حق في العتاب، ولكن اختيار الوقت المناسب أبلغ من استعجاله.
وقد تستطيع الانتصار في جدال، ولكن الانسحاب منه قد يكون انتصارًا أعظم لعقلك وأخلاقك.
ويأتي التوجيه القرآني الآخر جامعًا في كلمات قليلة:
**﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾**
*البقرة: 83*
للناس جميعًا.
لا لمن نعرفهم فقط، ولا لمن نحبهم فقط، ولا لمن يوافقوننا في الرأي أو المكانة، وإنما للإنسان بوصفه إنسانًا.
وهنا تحديدًا تتجلى عظمة ما يمكن أن نسميه **«الترفع الحكيم»**.
لكن الترفع الذي نعنيه ليس الترفع **على الإنسان**، وإنما الترفع **عن الإساءة**.
فثمة فرق كبير بين أن ترى نفسك أعلى من الناس، وبين أن ترى أخلاقك أغلى من أن تهبط بها إلى مستوى الإساءة.
حين يواجه الإنسان الواعي فجاجةً في الأسلوب، أو عشوائيةً في الطرح، أو كلمةً كان يمكن لصاحبها أن يقولها بطريقة أجمل، فإنه لا يكون ملزمًا بأن يرد بالمثل.
قد يستطيع أن يجرح، ولكنه يختار ألا يفعل.
وقد يمتلك جوابًا قاسيًا، ولكنه يحبسه.
وقد يستطيع أن ينتصر لنفسه في لحظة، لكنه يختار أن ينتصر لأخلاقه إلى الأبد.
وهذه ليست علامة ضعف.
بل ربما كانت من أصعب صور القوة.
فمن السهل أن ترد الكلمة بالكلمة، والصوت بالصوت، والغضب بالغضب؛ لكن الأصعب أن تمتلك القدرة على الرد ثم تختار الحكمة.
**فالترفع الحكيم لا يعني أن ترى نفسك أعلى من غيرك، بل أن ترفض أن تنزل بالكلمة إلى مستوى لا يليق بأخلاقك.**
وكم من موقف انتهى لأن إنسانًا واحدًا فقط كان عاقلًا بما يكفي كي لا يمنح الغضب كلمةً أخرى!
وكم من خصومة لم تولد لأن أحد الطرفين عرف متى يصمت!
وكم من قلب سَلِم من جرح كان يمكن أن يبقى فيه سنوات، لأن إنسانًا اختار كلمة ألطف!
إننا في حاجة إلى أن نتعلم شيئًا قد لا تعلمنا إياه الكتب كثيرًا:
**أن نقرأ قبل أن نتكلم.**
أن نقرأ الإنسان.
وأن نقرأ المكان.
وأن نقرأ اللحظة.
وأن نقرأ أثر كلماتنا قبل أن نطلقها.
فليست كل كلمة صحيحة ينبغي أن تُقال بالطريقة نفسها، وليست كل لحظة مناسبة للعتاب، وليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليس كل استفزاز يستحق جوابًا.
إن احترام الآخرين لا يعني التنازل عن حقوقنا، كما أن اللطف لا يعني الضعف، والصمت لا يعني العجز، والتراجع عن الجدال لا يعني الهزيمة.
بل إن من أعظم علامات النضج أن تعرف **متى تتحدث، وماذا تقول، وكيف تقوله، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام**.
وفي نهاية المطاف، فإن الكلمة مرآة العقل وعنوان التربية، وربما لا يعرف الناس أسماءنا ولا مناصبنا ولا قصص حياتنا، لكنهم قد يعرفون شيئًا واحدًا عنا من أول لقاء:
**كيف جعلناهم يشعرون حين تعاملنا معهم.**
لذلك، قبل أن نطلق كلماتنا نحو الآخرين، لنتعلم أن نقرأ الموقف أولًا، وأن نحترم إنسانيتهم قبل كل اعتبار، وأن نراعي سنهم ومكانتهم وظروفهم، وأن نقدم حسن الظن على سوء الظن، والرفق على الفجاجة، والحكمة على الاندفاع.
ولنجعل من انتقاء الكلمات واختيار المواقف فنًا نمارسه كل يوم؛ كي لا نخدش قلبًا ونحن نستطيع أن نحفظه، ولا نزرع جفاءً ونحن قادرون على زرع المودة، ولا نترك خلفنا أثرًا مؤلمًا كان يمكن لكلمة واحدة أجمل أن تمنعه.
**فالفراسة الحقيقية ليست أن تعرف مَن أمامك فحسب، بل أن تعرف كيف تكون أنت أمامه.**
وبلاغة الإنسان ليست في كثرة ما يقول، وإنما في قدرته على اختيار الكلمة التي تحقق الغاية دون أن تجرح كرامة، والموقف الذي يحفظ حقه دون أن ينتقص من حق الآخرين.
فما أجمل أن نغادر الأماكن وقد تركنا وراءنا أثرًا طيبًا، لا جرحًا يحتاج صاحبه وقتًا طويلًا لينساه.
*فبعض الناس نعرف أخلاقهم من الكلمات التي قالوها، وأصحاب الحكمة نعرفهم أكثر من الكلمات التي امتلكوا القدرة على قولها… ثم اختاروا ألّا يقولوها.*











