لعنة الجهل… حين يصبح «لا أعلم» عيبًا والجدال علمًا

بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كتاب من سلطنة عُمان مسقط

ليست المصيبة أن يجهل الإنسان؛ فنحن جميعًا نولد ولا نعلم، ونقضي أعمارنا نتعلم، ونرحل عن هذه الدنيا وفيها من العلوم ما لم ندرك منه إلا القليل. ولكن المصيبة الحقيقية أن يجهل الإنسان، ثم يظن أنه يعلم، وأن يتحدث فيما لا يعرف، ويجادل فيما لا يفهم، ثم يجعل من ارتفاع صوته دليلًا، ومن ثقته بنفسه برهانًا، ومن رأيه حقيقة لا تقبل النقاش.

وهنا تبدأ لعنة الجهل.

ولعل من أعظم الدلالات على مكانة العلم في الإسلام أن أول كلمة من الوحي الذي نزل على رسول الله ﷺ كانت أمرًا بالقراءة:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

ثم جاءت في الآيات نفسها الإشارة إلى القلم والعلم:

﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

وكأن الرسالة منذ بدايتها تضع الإنسان أمام حقيقة كبرى: أنك لا تولد عالمًا، وإنما تتعلم، وأن الطريق من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة يبدأ بالقراءة والسؤال والتعليم.

ولم يكن وصف ما قبل الإسلام بـ«الجاهلية» يعني أن الناس آنذاك كانوا جميعًا بلا معرفة أو خبرة؛ فقد كان بينهم الشعراء والتجار وأصحاب الحكمة والمعرفة بأنسابهم وبيئتهم. ولكن الجاهلية كانت أوسع من مجرد الأمية، فقد ارتبطت أيضًا بعقائد وممارسات وقيم جاء الإسلام ليصححها، فدعا إلى التوحيد، والعدل، والرحمة، وصيانة الإنسان وكرامته.

وفي بدايات الدعوة اجتمع المسلمون في دار الأرقم بن أبي الأرقم، يتلقون ما ينزل من القرآن ويتعلمون أمر دينهم ويتربون على قيمه. ومنذ ذلك الحين ظل العلم والتعليم من أعظم وسائل بناء الإنسان والمجتمع.

ولهذا بُنيت المدارس، وأُنشئت الجامعات، وأُقيمت المكتبات، وصُنفت الكتب، وقضى العلماء أعمارهم في البحث والتعليم؛ لأن الأمم أدركت أن محاربة الجهل ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة لبقائها وتقدمها.

لكن للجهل وجهًا أشد خطورة من مجرد عدم المعرفة.

إنه الجهل الذي لا يعرف صاحبه أنه جاهل.

فالإنسان الذي لا يعلم ويقول: «لا أعلم» قد خطا أول خطوة في طريق المعرفة، لأنه عرف حدود علمه وأفسح لنفسه مجالًا للتعلم. أما من لا يعلم، ثم يعتقد أنه يعلم، ويرفض أن يسمع، ويجادل أهل المعرفة، فالمشكلة هنا لم تعد نقصًا في المعلومة فقط، وإنما أصبحت حاجزًا يمنع وصول المعلومة إليه.

وهنا تكمن الخطورة.

فليس العيب أن تقول: لا أعلم.

وليس نقصًا أن تسأل.

وليس هزيمة أن تكتشف أنك كنت مخطئًا فتغير رأيك.

بل قد تكون عبارة «لا أعلم» من أشجع الكلمات التي يقولها الإنسان؛ لأنها اعتراف بحدود المعرفة، وبأن فوق كل ذي علم عليم.

أما أن يحوّل الإنسان جهله إلى يقين، وظنه إلى حقيقة، ثم يطالب الآخرين بأن يصدقوه لمجرد أنه قالها بثقة، فذلك باب واسع من أبواب الضلال.

وكم عرف التاريخ من أناس ادعوا لأنفسهم ما ليس لهم، وروّجوا الخرافات والأباطيل، فوجدوا من يصدقهم ويتبعهم. ولم تكن المشكلة دائمًا في قوة الحجة التي قدموها، بل في غياب السؤال والنقد والتحقق عند بعض من استمع إليهم. ولهذا كان العلم حماية للعقل قبل أن يكون حشدًا للمعلومات.

ومن هنا نفهم لماذا يمكن للجهل أن يضر مجتمعات بأكملها؛ فالمعلومة الخاطئة قد تبدأ بكلمة، ثم تنتقل من إنسان إلى آخر، ومع كثرة ترديدها يظن بعض الناس أنها حقيقة.

ولكن الجهل لا يصبح علمًا بكثرة من يردده، والخطأ لا يصبح صوابًا بارتفاع صوت صاحبه.

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هذه المسألة أكثر وضوحًا؛ فقد صار بإمكان أي إنسان أن يكتب ويتحدث وينشر رأيه أمام الآلاف في لحظات. وهذه نعمة عظيمة حين تستخدم لنشر المعرفة، لكنها تصبح مشكلة عندما تختلط الآراء بالحقائق، ويصبح عدد المتابعين بديلًا عن الدليل، والثقة في الحديث بديلًا عن التخصص.

والأخطر أن بعض الناس لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عمن يؤكد له ما يعتقده أصلًا.

وهنا لا يعود الحوار وسيلة للوصول إلى الصواب، بل يتحول إلى معركة يريد فيها كل طرف أن ينتصر لنفسه.

وقد قيل:

فإن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ
وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ

لكن علينا أيضًا أن نكون منصفين.

فليس كل من أخطأ جاهلًا، وليس كل من خالفنا قليل العلم، وليس كل من يحمل شهادة عالمًا في كل شيء.

قد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، ثم يجهل شيئًا خارج تخصصه. وقد يكون رجل بسيط لم يدخل جامعة، لكنه يملك من الحكمة والتجربة وحسن الاستماع ما لا يملكه بعض أصحاب الشهادات.

لذلك فإن القضية ليست شهادة معلقة على جدار، ولا لقبًا يسبق الاسم، وإنما عقل يعرف متى يتحدث، ومتى يسأل، ومتى يصمت، ومتى يقول: أخطأت.

إن العلم الحقيقي يورث صاحبه تواضعًا؛ لأن كل باب يفتحه من المعرفة يكشف له أبوابًا أخرى لم يدخلها بعد. وكلما اتسعت معرفته أدرك مقدار ما لا يعرفه.

أما الجهل فكثيرًا ما يمنح صاحبه وهم الاكتفاء.

ولهذا فإن مواجهة الجهل لا تكون بالسخرية من الجاهل، ولا بإهانته أو تحقيره؛ لأن السخرية لا تصنع عالمًا، والإهانة لا تفتح عقلًا مغلقًا.

إنما نواجه الجهل بالتعليم، والكتاب، والحوار، والدليل، والصبر، واحترام الإنسان حتى ونحن نخالف فكرته.

وإذا وجدنا أن الحوار تحول إلى خصومة لا تبحث عن الحقيقة، فربما كان الإعراض أبلغ من الاستمرار؛ فليست كل كلمة تستحق جوابًا، وليست كل معركة كلامية تستحق أن نخوضها.

وفي النهاية، لن تنهض أمة تخجل من قول «لا أعلم»، ولن يتقدم مجتمع يجعل السؤال ضعفًا، والتراجع عن الخطأ هزيمة، والصوت المرتفع دليلًا على الحقيقة.

نحن بحاجة إلى أن نعيد للعلم هيبته، وللسؤال قيمته، وللقراءة مكانتها، ولعبارة «لا أعلم» شرفها.

فالإنسان يولد جاهلًا، ثم يتعلم.

أما الخطر الحقيقي فهو أن يختار البقاء في جهله، وأن يغلق أبواب المعرفة، ثم يقف أمام الناس واثقًا ليعلّمهم ما لا يعلم.

وبين «لا أعلم» و**«أنا أعلم كل شيء»** مسافة قد تختصر حكاية إنسان، وربما حكاية أمة بأكملها.

فالأولى قد تكون بداية العلم…

والثانية قد تكون بداية الجهل.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24