الكاتبة: نور بن حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة بصلالة
حين صنعت الإشاعة حكاية، وصنع الصدق احترامًا
ليست كل المواقف التي تمر في حياة الإنسان تُقاس بحجم المال، بل بما تتركه من أثر في النفس، وما تمنحه من دروس تبقى راسخة في الذاكرة. فهناك أحداث تكشف معادن البشر، وتضع الإنسان أمام اختبار الصبر والصدق والإخلاص. ومن يختر طريق خدمة الناس، عليه أن يدرك أن هذا الطريق لا يخلو من المشقة، وأن صاحب العمل الصالح قد يكون أكثر الناس تعرضًا للإشاعات وسوء الفهم. ومع ذلك، تبقى الحقيقة كالشمس، قد تحجبها الغيوم، لكنها لا تغيب.
ومن أكثر المواقف التي حفرت مكانها في ذاكرتي، ولن أنساها ما حييت، ذلك اليوم الذي اجتمعنا فيه مع مدير المساعدات في الديوان، في جلسة اتسمت بالمسؤولية والحرص على خدمة المجتمع. كان حديثنا يدور حول كيفية إيصال الدعم إلى الأسر الفقيرة والمتعففة، وكيف يمكن أن نخفف من معاناة الأرامل والمطلقات والأسر محدودة الدخل.
في تلك الفترة، كان المغفور له بإذن الله تعالى، السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، قد انقطع عن زيارة محافظة ظفار لعدة سنوات، وكان الجميع يعرف أن حضوره كان يحمل الخير للمحتاجين، فقد عُرف، رحمه الله، بسخائه وقربه من أبناء وطنه وحرصه على رعاية الفئات الأكثر احتياجًا.
انتهى الاجتماع إلى اختيار ثلاثمائة أسرة مستحقة للدعم، بالتنسيق مع جمعية المرأة بصلالة، وبعد دراسة دقيقة للحالات رُفعت الأسماء وفق الإجراءات الرسمية، وكل ما قمنا به كان السعي في الخير وربط المحتاج بمن يستطيع مساعدته.
ومن باب التقدير، كان مدير المساعدات يخبر بعض المستفيدين بأن جمعية المرأة، برئاستي، كان لها دور في رفع هذه الحالات. كانت كلمة طيبة، لكنها تحولت، مع تناقلها بين الناس، إلى إشاعة انتشرت انتشار النار في الهشيم.
وفجأة، أصبح الجميع يتحدث عن خبر لا أصل له، مفاده أن السلطان الراحل منحني ثلاثة ملايين ريال لأقوم بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين.
في أيام قليلة امتلأت الجمعية بالمراجعين، وازدحمت المكاتب والممرات والساحات بأعداد كبيرة من المواطنين القادمين من مختلف ولايات ظفار، وكل واحد منهم يحمل أملاً في الحصول على نصيب من ذلك المبلغ الذي لم يكن موجودًا إلا في خيال مروجي الإشاعة.
كنت أستقبلهم بكل احترام، وأكرر لهم: “يا جماعة الخير… هذه إشاعة لا أساس لها من الصحة. كيف يمكن أن تُسلَّم مثل هذه المبالغ الضخمة إلى شخص أو جمعية؟ هناك جهات رسمية مختصة بذلك، أما نحن فدورنا هو خدمة الناس، ورفع الحالات المستحقة، والسعي لفعل الخير، لا أكثر.”
وفي خضم تلك الأحداث، كنت أعيش حزنًا آخر، فقد فقدت إحدى عماتي، وكنت منشغلة بواجب العزاء، بينما الاتصالات لا تتوقف، والأسئلة تتوالى عن حقيقة ما يجري في الجمعية.
وكان أكثر ما أقلقني أن بعض المراجعين تركوا ملفاتهم الشخصية، ووثائقهم الرسمية، وصورهم العائلية داخل الجمعية، على أمل أن يأتي دورهم لاحقًا. شعرت يومها بمسؤولية كبيرة، ليس لأن الإشاعة طالتني، بل لأن آمال الناس تعلقت بخبر غير صحيح، ولأن تلك الأوراق كانت أمانة في أعناقنا.
ومع مرور الأيام، ظهرت الحقيقة، وأدرك الجميع أن قصة “الثلاثة ملايين” لم تكن سوى إشاعة لا أساس لها من الصحة، وأن الحقيقة مهما تأخر ظهورها، لا بد أن تنتصر.
لكن أجمل ما بقي في ذاكرتي من تلك الحادثة أن الخبر وصل إلى السلطان الراحل، رحمه الله، فتواصل معي عن طريق أحد الرجال المقربين من السلطان الراحل، وكانت أول عبارة قالها بابتسامته الأبوية: “أين الثلاثة ملايين يا نور؟”
ثم قال كلمات أصبحت درسًا أستحضره كلما واجهت موقفًا مشابهًا: “الشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة.”
في تلك اللحظة أدركت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المديح الذي يسمعه الإنسان، بل بقدر ما يقدمه من خير، وبقدر صبره على ما يرافق طريق العطاء من ابتلاءات. فالناس قد يصدقون الإشاعة، لكن الزمن لا يعترف إلا بالحقيقة، والعمل المخلص يبقى شاهدًا على صاحبه مهما كثرت الأقاويل.
لقد علمتني هذه التجربة أن خدمة الناس رسالة قبل أن تكون مسؤولية، وأن اليد التي تمتد بالعطاء ينبغي ألا تنتظر تصفيقًا، لأن أعظم المكافآت هي دعوة صادقة من محتاج، أو دمعة فرح في عين يتيم، أو ابتسامة أمل ارتسمت على وجه أسرة كانت تظن أن الدنيا أغلقت أبوابها.
رحم الله السلطان قابوس بن سعيد، الذي غرس في أبناء هذا الوطن قيم الرحمة والإنسانية، وحفظ الله حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، وأدام على عُمان أمنها واستقرارها ورخاءها.
وأقول لكل من جعل خدمة الناس رسالته: لا تتوقف بسبب إشاعة، ولا تلتفت إلى كل حجر يُلقى في طريقك، فالشجرة المثمرة وحدها هي التي تُقذف بالحجارة، أما الأشجار اليابسة فلا يلتفت إليها أحد. ازرع الخير حيثما كنت، فإن أثره يبقى في القلوب، ويكتبه الله لك قبل أن يكتبه الناس.
دمتم بحب الله.












