لا تأتوا بالورد حين لا نشمُّ عطره

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ثمة مشهدٌ يتكرر في حياتنا، مؤلمٌ في دلالته، عجيبٌ في تناقضه:

يمرض الإنسان فلا يسأل عنه إلا القليل، تضيق به الدنيا فلا يجد حوله إلا القليل، يحتاج إلى من يمسك بيده فلا تمتد إليه الأيدي، يطرق الأبواب فلا يسمع إلا أعذار المشغولين، وربما يقضي لياليه يصارع حزنه وحاجته وحده، بينما الذين يحبهم ويحبونه غارقون في تفاصيل حياتهم.

ثم يموت…

وفجأة يجد الجميع وقتًا!

تُقطع المسافات، وتُلغى المواعيد، وتُؤجَّل الأعمال، ويأتي القريب والبعيد، ويزدحم المكان بالوجوه، وتمتلئ المجالس بالمعزين، وتنهال كلمات الثناء والدعاء والوفاء.

لكن الرجل الذي جاءوا من أجله…

لم يعد هناك ليسمع شيئًا.

وهنا ينهض السؤال الذي ينبغي أن يطرق أبواب قلوبنا قبل آذاننا:

أين كنا حين كان حيًّا يحتاج إلينا؟

لا تجعلوا أجمل مشاعركم تصل متأخرة

ما أقسى أن يكتشف الإنسان أن الناس قادرون على قطع مئات الكيلومترات لحضور جنازته، لكن بعضهم لم يستطع قطع بضعة كيلومترات لزيارته عندما مرض.

وما أغرب أن نجد ساعات طويلة للعزاء، ولا نجد عشر دقائق لمكالمة إنسان نعرف أنه يمر بضيق.

نشتري باقات الورد للموتى، بينما كان الأحياء بحاجة إلى كلمة.

ونكتب عبارات الرثاء الطويلة بعد رحيلهم، بينما ربما كانوا ينتظرون في حياتهم رسالة قصيرة تقول:

كيف حالك؟ هل تحتاج إلى شيء؟

نعدد مناقبهم بعد موتهم، ونخبر الناس كم كانوا رائعين، بينما ربما عاشوا بيننا سنوات ولم يسمعوا منا كلمة تقدير واحدة.

ليست المشكلة في الوفاء للميت؛ فهذا من مكارم الأخلاق، والدعاء له حق، وتعزية أهله مواساة مأجورة.

ولكن المشكلة أن يبدأ وفاؤنا عندما تنتهي حاجة الإنسان إلينا.

بعض الناس لا يريدون مالك… يريدون حضورك

حين نقول إن إنسانًا يحتاج إلى المساعدة، يتبادر إلى الذهن المال، بينما حاجات البشر أوسع بكثير.

قد يحتاج أخوك أن تجلس معه.

وقد يحتاج صديقك أن تسمعه.

وقد يحتاج قريبك إلى مكالمة.

وقد يحتاج إنسان منك كلمة تشجعه بعدما أرهقته الحياة.

وقد يحتاج آخر أن تقف إلى جانبه في مشكلة يستطيع تجاوزها بمجرد أن يشعر أنه ليس وحده.

ليست كل يدٍ تمتد إلى أخيها تحمل مالًا؛ أحيانًا تحمل طمأنينة.

وقد تكون جملة صغيرة منك سببًا في أن يستعيد إنسان قوته:

أنا معك… ماذا أستطيع أن أفعل؟

المسلم أخو المسلم

ولم يجعل الإسلام الأخوة شعارًا جميلًا نتبادله، بل جعلها مسؤوليةً وموقفًا وسلوكًا.

قال رسول الله ﷺ:

«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته».

يا لعظمة هذا المعنى!

لم يقل: من كان في جنازة أخيه فقط، ولا من أثنى عليه بعد رحيله، وإنما «من كان في حاجة أخيه».

أي حين يحتاج إليك.

حين يضعف.

حين تضيق عليه أبواب الحياة.

حين يكون وجودك إلى جانبه ذا قيمة.

وهنا يُختبر صدق الأخوة؛ لأن الوقوف إلى جانب الإنسان بعد موته وفاء، ولكن الوقوف إلى جانبه في شدته نخوة ورحمة وأخوة.

وقال ﷺ في تصوير بديع لتماسك المجتمع:

«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

فهل يشعر الجسد بألمه بعد موت العضو، أم حين يتألم؟

توكل على الله… ثم قف على قدميك

ومع كل ذلك، تعلمنا الحياة حقيقة لا ينبغي أن نغفل عنها:

لا تجعل اتكالك على الناس أكبر من اتكالك على الله.

فالناس تتغير أحوالهم، وتشغلهم ظروفهم، ويعتذر بعضهم، ويبتعد آخرون، وقد يخذلك من ظننت أنه لن يخذلك.

أما الله سبحانه وتعالى فلا يغيب.

قال تعالى:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
الطلاق: 3.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يتوكل على الله أولًا، ثم يأخذ بالأسباب، ويعمل، ويجتهد، ويعتمد على قدراته فيما يستطيع، وألا يبني حياته كلها على انتظار من يأتي لينقذه.

ولكن هذا لا يعفينا نحن من مسؤوليتنا تجاه بعضنا.

فكون أخيك قويًا لا يعني أن تتركه وحده.

وكونه قادرًا على تجاوز محنته لا يعني أنه لا يحتاج إلى كتف يستند إليه.

وكونه لا يطلب منك المساعدة لا يعني أنه لا يتمنى حضورك.

فأشد الناس صمتًا قد يكونون أشدهم حاجة إلى السؤال عنهم.

لا تسأل فقط: أين كانوا عندما احتجت إليهم؟

وهنا تأخذ الحكمة وجهًا آخر.

من السهل أن نقرأ هذا الكلام فنبدأ فورًا بتذكر الذين خذلونا:

فلان لم يقف معي.

وفلان لم يسأل عني.

وفلان تركني في محنتي.

ولكن العبرة الأعمق ليست أن نسأل فقط:

أين كانوا عندما احتجت إليهم؟

بل أن نسأل أنفسنا:

أين أنا عندما يحتاج إليَّ الآخرون؟

هل هناك قريب أعرف أنه يمر بضيق ولم أتصل به؟

هل هناك صديق تغير حاله ولم أسأله لماذا؟

هل هناك مريض أقول منذ أسابيع: سأزوره غدًا؟

هل هناك إنسان أعرف أنه يواجه مشكلة وأستطيع مساعدته، لكنني أؤجل؟

هنا تتحول القصة من عتابٍ للآخرين إلى مراجعة للنفس.

وهذه هي العبرة الأجمل.

لا تؤجلوا المحبة

نحن بارعون أحيانًا في التأجيل.

سنزوره لاحقًا.

سنتصل به غدًا.

سنعتذر عندما نلتقي.

سنخبره كم نحبه في مناسبة قادمة.

سنساعده عندما تخف مشاغلنا.

لكننا ننسى أن الحياة لا تعطينا ضمانًا بأن يكون هناك «لاحقًا».

كم من مكالمة أُجّلت ولم تأتِ فرصتها؟

وكم من زيارة قيل عنها «غدًا» فجاء الغد يحمل خبر الرحيل؟

وكم من كلمة حب بقيت حبيسة القلب حتى صار صاحبها واقفًا أمام قبر من كان يتمنى أن يسمعها؟

فلا تؤجلوا الكلمات الجميلة.

ولا تؤجلوا الاعتذار.

ولا تؤجلوا السؤال.

ولا تؤجلوا صلة الرحم.

ولا تؤجلوا مدَّ اليد لمن يحتاجها.

فالأحياء أولى بورودنا من قبورهم.

قبل أن تقطع الطريق إلى جنازتي…

وهنا تكمن خلاصة الحكاية كلها:

إن كنت مستعدًا أن تقطع مئات الكيلومترات يومًا لتحضر جنازتي، فاقطع بعضها اليوم لتزورني.

وإن كنت ستقف ساعات في مجلس عزائي، فامنحني عشر دقائق من وقتك وأنا حي.

وإن كنت ستكتب عن محاسني بعد موتي، فقل لي كلمة طيبة وأنا أسمعك.

وإن كنت ستدعو لي بحرارة حين أغيب، فلا تنس أن تسأل عني حين أتعب.

وإن كنت ستضع يدك على كتف أبنائي مواسيًا بعد رحيلي، فضع يدك اليوم على كتفي إن رأيتني أتعثر.

لا أريد وفاءً يصل بعدما أفقد القدرة على الشعور به.

نعم، سيبقى الإنسان متوكلاً على ربه، آخذًا بأسبابه، واقفًا على قدميه ما استطاع؛ لكنه يظل إنسانًا، والإنسان يحتاج إلى الإنسان.

نحتاج إلى بعضنا لا لكي نحمل بعضنا طوال الطريق، بل لكي لا يشعر أحد منا أنه يمشي الطريق وحده.

فالمسلم أخو المسلم، والصديق سند صديقه، والقريب أولى بقريبه، والإنسان الكريم لا ينتظر أن يسمع خبر الوفاة حتى يتذكر واجب المحبة.

فكونوا إلى جوار من تحبون الآن.

اسألوا عنهم الآن.

زوروهم الآن.

سامحوهم الآن.

قولوا لهم الكلام الجميل الآن.

وامدوا أيديكم إليهم وهم قادرون على الإمساك بها.

فربما يأتي يوم نقطع فيه المسافات كلها من أجلهم…

لكننا نصل متأخرين.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24