بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليس كل صمتٍ عجزًا عن الكلام، كما أن ليس كل كلامٍ دليلًا على الحكمة.
فقد يصمت الإنسان وفي صدره ألف جواب، ولكنه يدرك أن بعض الكلمات إذا خرجت لن تعود، وأن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها، وأن بعض الردود وإن انتصر بها للحظة، فقد يخسر بسببها قلبًا، أو علاقةً، أو احترامًا بناه في سنوات.
وهنا يصبح الصمت قرارًا، لا عجزًا.
فالحكمة ليست أن تعرف ماذا تقول فحسب، وإنما أن تعرف متى تقول، وكيف تقول، ولمن تقول، ومتى يكون السكوت أبلغ من كل ما تستطيع قوله.
حين يصبح الصمت عبادة
لقد أولى الإسلام للكلمة شأنًا عظيمًا؛ لأن الإنسان قد يرفع نفسه بكلمة، وقد يهوي بها.
قال رسول الله ﷺ:
«مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
متفق عليه.
إنه ميزان بالغ الدقة: خيرٌ أو صمت.
فليس المطلوب أن يتحدث الإنسان في كل ما يعرف، ولا أن يجيب عن كل ما يسمع، ولا أن يشارك في كل نقاش. إنما يزن الكلمة قبل خروجها: هل تحمل خيرًا؟ هل تصلح؟ هل تنفع؟ فإن لم يكن فيها خير، فربما كان الصمت أكثر حكمة.
ولهذا جاء القرآن الكريم بتوجيه عظيم في وصف عباد الرحمن:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾
[الفرقان: 63].
لم يقل إنهم عجزوا عن الرد، بل اختاروا ردًا ينهي الجهل بدل أن يغذيه.
فالإنسان الحكيم لا يحتاج أن يثبت قدرته على الرد في كل مرة.
أحيانًا تكون قدرتك على عدم الرد هي أعظم دليل على قدرتك.
الصمت الذي يحفظ الكرامة
ثمة مواقف يكون فيها الكلام تنازلًا عن هيبة الإنسان، لا دفاعًا عنها.
حين يحاول شخص استفزازك أمام الناس، وحين يجرّك آخر إلى جدال لا يبحث فيه عن الحقيقة، وحين يكون الطرف المقابل غاضبًا لا يسمع إلا نفسه، فإن استمرار النقاش قد لا يزيد الحقيقة وضوحًا، بل يزيد النار اشتعالًا.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الصمت سيد الموقف.
ليس لأنك لا تملك جوابًا، وإنما لأنك أدركت أن العقل المغلق لا تفتحه كثرة الكلمات.
وقد قال تعالى:
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
[الأعراف: 199].
فالإعراض أحيانًا ليس هروبًا، وإنما اختيار واعٍ ألا تهبط بالحوار إلى مستوى لا يليق بك.
ليس كل ما نعرفه ينبغي أن نقوله
من علامات النضج أن يدرك الإنسان أن معرفته بشيء لا تمنحه بالضرورة حق الحديث عنه.
قد تعرف سرًا، والأمانة أن تصمت.
وقد تسمع عيبًا عن إنسان، والمروءة أن تستر.
وقد تعرف كلمةً لو قلتها لانتصرت في خصومة، ولكنها ستجرح إنسانًا، فيكون تركها أكرم.
وقد تكون في مجلس يُنتقص فيه من غائب، فيصبح امتناعك عن المشاركة موقفًا أخلاقيًا.
فاللسان ليس صندوقًا يجب أن نفرغ كل ما فيه.
بعض الأشياء قيمتها في بقائها مستورة، وبعض الأسرار شرف الإنسان في حفظها، وبعض الكلمات جمالها في أنها لم تُقل.
حين يغضب الإنسان
ولعل أشد اللحظات حاجةً إلى الصمت هي لحظات الغضب.
فالإنسان حين يغضب قد يقول في دقيقة ما يحتاج إلى سنوات لإصلاحه.
كلمة واحدة قد تهدم زواجًا.
وكلمة قد تقطع صداقة.
وكلمة قد تجرح ابنًا فيحملها في ذاكرته حتى يكبر.
وكلمة قد تهدم ثقة موظف بقائده.
الغضب يمر، ولكن الكلمات التي قيلت أثناءه قد تبقى.
ولهذا فإن الصمت في لحظة الغضب ليس ضعفًا؛ إنه مساحة يمنحها العقل للقلب حتى يهدأ.
ورب جواب أخّرته ساعة أنقذك من ندم سنوات.
والصمت أيضًا إنصات
حين كتبنا عن فن الإنصات، قلنا إن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يعطيه الحلول؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى من يسمعه.
وهنا يلتقي الصمت بالإنصات.
حين يحدثك إنسان عن ألمه، لا تسابقه بالنصيحة.
وحين يبكي أمامك، لا تبحث فورًا عن الكلمات.
وحين يشكو إليك قلبه، لا تحوّل حكايته إلى حكايتك.
اصمت قليلًا…
دعه يكمل.
ربما يكون أجمل ما تقدمه لإنسان موجوع أن تمنحه صمتًا يشعر فيه بأنه مسموع.
فليس كل صمت فراغًا؛ بعض الصمت ممتلئ بالرحمة.
الصمت في زمن الضجيج
نعيش اليوم في زمن يكاد الجميع فيه يتحدث.
وسائل التواصل أعطت كل إنسان منصة، وكل فكرة جمهورًا، وكل حدث آلاف التعليقات.
وقبل أن تكتمل الأخبار تبدأ الأحكام، وقبل أن تتضح الحقائق تبدأ الاتهامات، وقبل أن نسمع الطرف الآخر نكون قد أصدرنا الحكم.
وأصبح البعض يشعر أنه ملزم بإبداء رأيه في كل قضية، وكأن قول: «لا أعلم» نقص في المكانة.
لكنها ليست كذلك.
فمن الحكمة أن تقول: لا أعرف.
ومن العلم أن تصمت فيما لا تعلم.
ومن الأمانة ألا تنقل ما لم تتثبت منه.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36].
وفي عالمٍ يتسابق فيه الناس ليكونوا أول من يتحدث، قد تكون الحكمة أحيانًا في أن تكون آخر من يحكم.
ولكن… متى يكون الصمت خطأ؟
ومع جمال الصمت، فليس الصمت فضيلة في كل موضع.
فالصمت عن الظلم حين تستطيع دفعه ليس حكمة.
والسكوت عن شهادة تحفظ حق مظلوم ليس ورعًا.
والصمت أمام خطر تستطيع التحذير منه ليس اتزانًا.
والسكوت عن خطأ يهدد حياة إنسان ليس أدبًا.
وهنا تظهر الحكمة الحقيقية: أن نعرف متى نصمت ومتى يجب أن نتكلم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾
[النساء: 135].
فكما أن للكلمة آفات، للصمت أيضًا آفات.
هناك صمت يحفظ السلام، وهناك صمت يشارك في الظلم.
هناك صمت من الحكمة، وهناك صمت من الخوف.
هناك صمت يستر إنسانًا، وهناك صمت يترك إنسانًا وحيدًا أمام الأذى.
والفارق بينهما هو الموقف والنية والنتيجة.
ميزان الحكمة
قبل أن تتحدث، اسأل نفسك:
هل ما سأقوله حق؟
ثم اسأل:
هل قوله ضروري؟
ثم:
هل هذا هو الوقت المناسب؟
ثم:
هل أستطيع أن أقوله بطريقة أفضل؟
فليس كل حق يُقال في كل وقت، وليس كل نصيحة تُعطى أمام الناس، وليس كل خطأ يحتاج إلى مواجهة فورية.
أحيانًا تكون الكلمة صحيحة، لكن توقيتها خاطئ.
وأحيانًا تكون النصيحة صادقة، لكن أسلوبها جارح.
وأحيانًا يكون السكوت الآن هو الطريق إلى حديث أجمل غدًا.
للكلمات أبواب… وللصمت أبواب
كلما تقدم الإنسان في العمر والتجربة، أدرك أن جزءًا كبيرًا من راحة القلب يأتي من تعلم الأشياء التي لا تستحق الرد.
ليس كل من أساء إليك يحتاج إلى جواب.
وليس كل من خالفك يحتاج إلى إقناع.
وليس كل إشاعة تحتاج منك إلى دفاع.
وليس كل جدال يستحق أن تستهلك فيه وقتك وهدوءك.
فالسكوت عن بعض الناس ليس احتقارًا لهم، وإنما احترام لسلامك الداخلي.
والإنسان الناضج لا يقيس قوته بعدد المعارك التي انتصر فيها، بل بعدد المعارك التي أدرك مبكرًا أنها لا تستحق أن تبدأ.
حين يتكلم الصمت
هناك صمتٌ يحمل احترامًا.
وصمتٌ يحمل عفوًا.
وصمتٌ يحمل إنصاتًا.
وصمتٌ يمنع كلمة جارحة.
وصمتٌ يحفظ سرًا.
وصمتٌ يغلق باب فتنة.
وصمتٌ يمنح الغاضب فرصة أن يهدأ.
وفي المقابل، هناك كلمة حق لا يجوز أن يحبسها الخوف.
وهنا تكمن الحكمة كلها:
أن تعرف أيَّ الصمتين صمتك، وأيَّ الكلامين كلامك.
فلا تجعل الصمت ذريعةً للجبن، ولا تجعل الصراحة ذريعةً للقسوة.
وتذكر أن اللسان باب؛ ما خرج منه قد لا تستطيع إعادته، وأن بعض الجراح تلتئم، بينما تبقى الكلمات عالقة في الذاكرة أعوامًا.
تكلم حين يكون لكلامك معنى.
وتكلم حين تستطيع أن تصلح، أو تنصف، أو تدافع، أو تعلم، أو تواسي.
أما حين لا يكون الكلام إلا وقودًا للغضب، أو انتصارًا للغرور، أو إيذاءً لإنسان، أو مشاركةً في لغو لا ينفع…
فدع للصمت أن يتكلم.
فليس الصامت دائمًا عاجزًا عن الجواب؛ ربما رأى ما لم يره الآخرون: أن بعض الكلمات مهما كانت بليغة، لا تبلغ من الحكمة مبلغ كلمةٍ واحدة…
لم تُقَل.













