
بقلم : بلحمدي رابح/ البليدة الجزائر
أيُّها القارئُ الكريم…
اقترِبْ ولا تَخَفْ. فما بين يديك ليس مقالاً سياسياً، بل مَرثيّةٌ للخونةِ وقصيدةٌ للأحرار. اجلسْ…
واحتَسِ قهوتك…
فلن نَتَحدَّثَ اليومَ بلغةِ التقاريرِ الباردة، بل بلغةِ القلبِ الذي يَنزِفُ حبراً أسودَ على ورقٍ أبيض، تماماً كما نَزَفَ الرمادُ سوادَه على غاباتِ جيجل…
ثم أخرجَ منها الأخضر.
أخْبرَنا الرمادُ بسنده العالي المتصل من مواطن في أقصى الجنوب من شجرة إلى شجرة ومن حجرة إلى حجرة إلى غابة العوانة والابرياء على الشاطيء يسبحون أنَّ العِشقَ لا يموت.
في صيفِ 2026، احتَرقَتْ غاباتُ جيجل. ثلاثةٌ وسبعون قتيلاً، أحدُ وستون منهم من عائلةٍ واحدة. ثلاثُ أيامٍ من الحِدادِ الوطني. تَوقَّفَتِ الجزائرُ… لا لأنَّ النارَ أكلَتِ الأشجار، بل لأنَّ النارَ أكلَتْ أبناءَها.
لكنَّ ما حَدَثَ بعدها…
آه…
ما حَدَثَ بعدها هو ما يَجبُ أن يُكتَبَ بماءِ الذهب:
بعد عشرين يوماً فقط… براعمُ خضراءُ شقَّتْ طريقَها من تحتِ الرماد.
عشرون يوماً… والطبيعةُ تَقولُ للجزائر: أنا لا أستسلم، فكيف تَستسلمين أنتِ؟
وهبَّ الشعبُ. من غرداية في الجنوب، من متليلي الشعانبة، حيث كان الشابُّ طالبُ أحمدَ الشيخِ ورفاقُه يَجمَعون التبرعاتِ لقافلةٍ تَضامنيّةٍ نحو الشمال. وقال بكلِّ بساطةٍ: جاءتْ تلبيةً لنداءِ الواجبِ والوطن. ومن 69 ولاية، انطلقَتْ قوافلُ التضامنِ. الهلالُ الأحمرُ كثَّفَ تدخُّلَه، والقوافلُ حَمَلَتِ الأفرشةَ والأغطيةَ والأدويةَ والحفاضاتِ. ووزارةُ الشبابِ أنشأتْ المركزَ الوطنيَّ الشبابيَّ للتطوُّعِ والدعم.
يا مَن تَقولونَ إنَّ الجزائرَ ماتَت…
انظروا إلى جيجل. الرمادُ لا يُنبِتُ إلا الأشجارَ القويّة. والجزائرُ… أقوى من أن تحترق .
حين اهتَزَّ عرشُ الكرةِ لصالحِ العرب
وأنتِ يا أمَّ درمان… يا مَن احتَضَنتِ الجزائريينَ في ليلةٍ لا تُنسى… أتُذكِّرين؟
في نوفمبر 2009، احتاجَ الجزائريونَ تأشيرةً للسودان. فماذا فعلوا؟ حاصروا السفارةَ السودانيةَ في حي بوزريعة. وافترشوا الشوارعَ… وصاحوا:
يا الدولة يا الدولة… واش ديري بينا… أدّينا للسودان.
وكانت أمُّ درمانَ على الموعد. قال طارق عبد العظيم، تاجرٌ في سوقِ الصاغة: إنه يَكنُّ حباً خاصاً للجزائر لا يعرفُ سببَه. وقال آخرون: الإسلامُ والعروبةُ… والجزائريُّ يُشبهُ السودانيَّ في طباعِه. وامتلأتْ مدرجاتُ ملعبِ المريخِ بالألوانِ الوطنية… وهتفَ السودانيون: وان… تو… ثري… فيفا لالجيري.
يا أمَّ درمان… يا مَن عَلَّمتِينا أنَّ الكرامةَ لا تُشترى بالتأشيرات… ولا تُباعُ بالتطبيع. أنتِ في القلبِ يا سودان… إلى يومِ الدين.
حين كتَبَ الشعبُ الدستورَ بدمِه ….لنعدْ إلى الجذور. إلى حيثُ بدأَ كلُّ شيء.
في فاتحِ نوفمبر 1954، أطلقَ الأبطالُ الرصاصةَ الأولى. وقالوا: يا أيُّها الشعبُ الجزائري…. ولم يَنتظروا من الشعبِ شيئاً… بل كانوا واثقينَ أنَّ الشعبَ سيقومُ بواجبِه. وهكذا كان.
يقولُ أحدُ المجاهدين: الشعبُ كان عينَ جيشِ التحريرِ الساهرة، والجيشُ كان العمودَ الذي يَستندُ عليه الشعب.
يا شهداءَ نوفمبر… يا مَن رَسمتُم بدمِكم خريطةَ وطنٍ لا يَموت… أنتم في العروقِ… وفي الشرايينِ… وفي كلِّ نبضةٍ تَقولُ للعالم: الجزائرُ… قصةُ عشقٍ .
لننتقلَ إلى الحديثِ عن أولئك الذين… آه… كيف نَقولُها بأدبٍ؟
الطابورُ الخامس. تلك الكائناتُ اللطيفةُ المظهر، الأنيقةُ الهندام، التي تَحفظُ اسمَ الجزائرِ في جَيبِها وتُخرِجُه في المؤتمراتِ الدوليةِ كأنّه مِفتاحُ سيارةٍ مُستَعارَة.
تَتكلَّمُ الفرنسيةَ بِلَكنةٍ مُتَعمَّدة، لا لأنّها لا تُتقنُ العربية، بل لأنّ العربيةَ — في نظرها — لغةُ الشارع…
والشارعُ مكانٌ يجوزُ فيه كلُّ شيء…
إلا أن يُذكَرَ فيه اسمُ الشهداءِ بجِدّيّة.
تقولُ مجلةُ الجيشِ في مقالٍ بعنوان بقايا الطابورِ الخامس: إنّ فرنسا الاستعمارية… ورغم محاولاتِها في بَترِ الصحراءِ عن استقلالِ الجزائر… كان ردُّ المجاهدينَ الأشاوسَ في ميدانِ الحرب… بأن لا يُمسَّ شِبرٌ من الجزائر.
لكنَّ الخيانة… لا تَموتُ. إنّها تَتجدَّدُ. تَقولُ صحيفةُ الشعبِ الجزائرية: إنّ التدخلَ الفاضحَ في الشؤونِ الداخليةِ للجزائر… عبر محاولةِ فرضِ المرحلةِ الانتقاليةِ سنةَ 2019… باستخدامِ أدواتِ التخريبِ المتمثِّلةِ في الطابورِ الخامسِ ووسائلِ الإعلام.
فيا أيُّها الذينَ يَبيعونَ وطنَهم بالتقسيط… اعلموا أنَّ الوطنَ لا يُشترى. والجزائرُ… لا تُشترى. والدمُ الذي سالَ في جيجلَ… وفي نوفمبرَ… وفي كلِّ شبرٍ من هذا التراب… لن يُهدَرَ من أجلِ بضعةِ دولاراتٍ تُصرفُ في مطاراتِ باريس.
وتَقولُ منظمةُ الصحافيينَ الجزائريينَ إنّ هناك النخبَ المأجورةَ والمدفوعةَ من قبل الصهيونيةِ والإمبرياليةِ العالمية، التي وصلتْ بها الدناءةُ إلى سعيها إلى محاولةِ شيطنةِ الجزائرِ بالتلفيقِ والأكاذيبِ والبهتان.
يا مَن تُدافعونَ عن الحريات في باريس… وعن الديمقراطية في تل أبيب… وعن الحوار في جنيف… ثم تَصمتونَ عن نابالمِ فرنسا في الجزائر… وعن حرائقِ جيجل… وعن دماءِ أم درمان… اعلموا أنَّ العالمَ لم يَعُدْ غافلاً. الشعبُ الجزائريُّ… يَقرأ. يَسمَع. يَرى. ويَحفَظ.
فرنسا… فرنسا… يا مَن تَظُنُّ أنَّ الجزائرَ ما زالتْ مقاطعةً فرنسيةً في شمالِ إفريقيا…
تقولُ صحيفةُ الشروق: إنّ فرنسا بدأتْ تغيّرُ تكتيكَها… فبعد أن أفضى نهجُ وزيرِ الداخليةِ السابقِ برونو روتايو إلى تأجيجِ الأزمة…
جاءتْ زيارةُ وزيرِ العدلِ جيرالد دارمانان في مايو 2026 لتُعلِنَ عن انفتاحٍ جديدٍ…
وإعادةِ تنشيطِ التعاونِ في مجالِ الأمن.
لكنَّ السؤالَ: مَن يَحتاجُ مَن؟
تقولُ التحليلات: إنّ حالةَ الانسدادِ في العلاقاتِ الثنائية… تسبَّبَتْ في أضرارٍ كبيرةٍ للمصالحِ الفرنسيةِ في الجزائر… الاقتصاديةِ منها والتجاريةِ والثقافية. ويقولُ محللٌ دبلوماسي: إنّ الخوفَ من ضَياعِ المصالحِ الفرنسيةِ هو المحرِّكُ الأساسيُّ وراءَ هذا الإصرار.
فيا فرنسا… أنتِ لا تَتفاوضينَ من موقعِ القوة… أنتِ تَتفاوضينَ من موقعِ الخوف. الجزائرُ اليومَ… ليست الجزائرَ التي تَعرِفين. والجزائرُ غداً… لن تكونَ إلا ما يُريدُه شعبُها. لا ما يُريدُه قصرُ الإليزيه.
أمّا وقد بلغَ السيلُ الزُّبى… فأينَ المَخرَج؟
الوعي.
يقولُ الدكتور عبد القادر سوفي، أستاذُ العلومِ السياسية: التفاعلُ الشعبيُّ الواعي مع الاحتفالِ باليومِ الوطنيِّ للجيش… مؤشرٌ على تماسُكِ الجبهةِ الداخلية… ويُشيرُ إلى أنّ التفاعلَ الواسعَ… عبر منصاتِ التواصلِ الاجتماعي… يُشكِّلُ حصانةً ضد محاولاتِ الاختراقِ أو الحربِ النفسيةِ الموجَّهةِ ضدَّ الجزائر.
وتَقولُ تحليلاتٌ أخرى: إنّ وعيَ الجزائريينَ يُشكِّلُ جبهةً داخليةً قويةً تَتصدَّى للمؤامرات…
وإنّ الجزائريينَ يَتفاعلونَ بحذرٍ وذكاءٍ مع الأحداث… ويُميِّزونَ بين ما يَخدِمُ مصلحةَ الوطنِ وما لا يَخدِمُها.
فيا أيُّها الشعبُ الجزائريُّ العظيم… أنت السلاحُ. أنت الجيشُ. أنت الجبهة. أنت الجزائر.
وعليكَ أن تَعرف:
أنَّ من يُدافعُ عن الحريات في باريس… هو نفسُه مَن يَصمتُ عن حرائقِ جيجل.
وأنَّ من يُموِّلُ المهرجاناتِ الثقافية… هو نفسُه مَن يُموِّلُ الحملاتَ الإعلامية.
وأنَّ من يَقولُ لكَ الوطنُ في القلب… عليكَ أن تَسألَه: وأينَ أنتَ من الوطن؟
أُقسِمُ بالله والذي انبت من الرمادِ الأخضرَ في جيجل…
وبالدمِ الذي سالَ في أم درمان…
وبالشهداءِ الذينَ كتبوا نوفمبرَ بدمِهم…
وبالبراعمِ التي شقَّتْ طريقَها من تحتِ النار…
إنَّ الجزائرَ… ليست مَن يَبيعُها. الجزائرُ… مَن يَحملُها في قلبِه… ويُدافعُ عنها بلسانِه… وبيدِه… وبكلِّ ما أوتِيَ من قوة.
فيا أيُّها الخونةُ… يا مَن تَبيعونَ الوطنَ بالتقسيط… اعلموا أنَّ الوطنَ لا يُباع. والجزائرُ… لا تُشترى. والرمادُ… لا يُنبِتُ إلا الأشجارَ القويّة. وأنتم… لستم من الأشجار. أنتم من الحطب.
فيا أيُّها الأحرارُ… يا مَن عَلَّمتُمونا أنَّ العِشقَ لا يَموت… أنتم الرمادُ الذي يُنبِتُ الجزائر. أنتم الأخضرُ. أنتم الحياة.
ويا أيُّها الشعبُ الجزائريُّ… يا مَن وَقَفَ مع جبهتِه في 1954… ويا مَن وَقَفَ مع أمِّ درمانَ في 2009… ويا مَن وَقَفَ مع جيجلَ في 2026…
ما زالَ الخيرُ القدام… ما زالَ. والجزائرُ… تَنتظرُك.















