بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليست كل الانتصارات معارك نخرج منها غالبين، وليست كل القوة في يدٍ تستطيع أن ترد الإساءة بمثلها؛ فثمة انتصارات لا يسمع لها ضجيج، ولا تُرفع بعدها رايات، لأنها تقع في مكان لا يراه الناس… داخل القلب.
هناك، حين يشتعل الغضب، وتتزاحم الذكريات المؤلمة، ويصبح الانتقام ممكنًا، يقف الإنسان أمام أصعب خصومه: نفسه.
فإن استطاع، وهو قادر، أن يقول: عفوت، فقد حقق انتصارًا ربما كان أعظم من انتصاره على من أساء إليه.
العفو ليس نسيانًا للجرح، ولا إنكارًا للألم، وليس ضعفًا أمام الظالم، وإنما هو قدرة الإنسان على ألا يسمح للإساءة بأن تحوّله إلى نسخة ممن أساء إليه.
ولهذا جعل القرآن الكريم العفو من أخلاق أصحاب الهمم العالية، فقال سبحانه:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: 134].
تأمل هذا التدرج البديع: كظم الغيظ، ثم العفو، ثم الإحسان.
فقد يستطيع الإنسان أن يكظم غضبه ولا ينتقم، لكنه يبقى يحمل في قلبه مرارة الإساءة. فإذا تجاوز ذلك إلى العفو ارتقى منزلة، وإذا استطاع بعد العفو أن يقابل الإساءة بالإحسان، فقد بلغ مقامًا أعلى من مكارم الأخلاق.
ولذلك قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[فصلت: 34].
إنها فلسفة قرآنية عظيمة في التعامل مع الإساءة: ألا تجعل خطأ الآخرين هو الذي يحدد مستوى أخلاقك.
حين يصبح العفو قوة
يخطئ بعض الناس حين يظنون أن العفو ضعف، وأن الانتقام دليل قوة. لكن السؤال الحقيقي هو: أيهما أصعب؟
أن ترد الكلمة الجارحة بكلمة أشد منها، أم أن تملك لسانك وأنت قادر على الرد؟
أن تنتقم حين تصبح القوة في يدك، أم أن تتجاوز وأنت تستطيع أن تنتصر لنفسك؟
القوة الحقيقية ليست أن تستطيع إيذاء من آذاك، بل أن تستطيع ذلك ثم تختار ألا تفعل.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
متفق عليه.
فأعاد النبي ﷺ تعريف القوة؛ ليست في غلبة الأجساد، وإنما في غلبة النفس عندما تثور.
يوسف… عفوٌ بعد سنوات الألم
ولعل من أعظم مشاهد العفو في القرآن قصة يوسف عليه السلام.
إخوة ألقوه في غيابة الجب، وأبعدوه عن أبيه، وكان فعلهم سببًا في سنوات طويلة من الألم والغربة والابتلاء.
ثم دارت الأيام.
وأصبح يوسف عزيزًا ذا سلطان، وجاء إخوته إليه محتاجين، وأصبح قادرًا على الانتقام منهم.
يا لها من لحظة!
كان يستطيع أن يذكّرهم بكل دمعة، وكل ليلة قضاها بعيدًا عن أبيه، وكل ألم بدأ يوم ألقوه في البئر.
لكنه قال:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[يوسف: 92].
لم يقل: لن أعاقبكم فحسب، بل قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ فلا توبيخ ولا إذلال ولا تشفٍّ.
ذلك هو العفو حين يصدر من إنسان قادر.
محمد ﷺ… يوم القدرة
ويتجلى هذا الخُلُق في سيرة رسول الله ﷺ في مواقف كثيرة.
فقد آذاه قومه، وأخرجوه من وطنه، وحاربوه سنوات طويلة، ومع ذلك ظل العفو والرحمة أصلًا ظاهرًا في سيرته، ما لم يقتضِ العدل غير ذلك.
وفي حادثة الطائف، بعدما لقي من الأذى ما لقي، جاءه ملك الجبال وعرض عليه أن يطبق على أهلها الأخشبين، فلم يختر الانتقام، بل رجَا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده.
إن الإنسان العادي قد يعفو عندما يضعف، أما صاحب الخلق العظيم فيعفو حين تكون أسباب الانتقام بين يديه.
العفو لا يعني أن تعود كما كنت
وهنا ينبغي أن نفهم أمرًا بالغ الأهمية:
العفو لا يعني دائمًا إعادة العلاقة.
قد تعفو عن شخص، ولكنك تدرك أن استمرار قربه منك سيؤذيك مرة أخرى.
وقد تسامح، لكنك تضع حدودًا جديدة.
وقد تصفح، ولكنك تتعلم من التجربة.
فالعفو شيء، والثقة شيء آخر.
العفو قرار أخلاقي يتعلق بما تحمله في قلبك تجاه الإساءة، أما الثقة فتُبنى بالأفعال، وقد تحتاج بعد انكسارها إلى وقت طويل حتى تعود، وربما لا تعود.
والإسلام، حين يدعو إلى العفو، لا يطلب من الإنسان أن يقبل الظلم. فقد قرر القرآن حق المظلوم في الانتصاف، ثم فتح بابًا أعلى لمن اختار الإصلاح والعفو، فقال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
[الشورى: 40].
وهنا تكمن روعة التوازن: عدلٌ يحفظ الحقوق، وعفوٌ يسمو بالنفوس.
فليس مطلوبًا من المظلوم أن يسمي الظلم عدلًا، ولا الخيانة وفاءً، ولا الإساءة محبة. وإنما يستطيع أن يحفظ حقه، ويضع حدوده، وفي الوقت نفسه لا يسمح للكراهية بأن تسكن قلبه إلى الأبد.
لا تجعل من أساء إليك يسكن قلبك مجانًا
أحيانًا تنتهي الإساءة في دقائق، لكننا نعيدها في أذهاننا سنوات.
نستحضر الكلمات نفسها، والموقف نفسه، والوجوه نفسها، ثم نغضب من جديد كلما تذكرناها.
وهكذا يصبح من أساء إلينا حاضرًا في حياتنا، حتى وهو بعيد عنا.
ومن هنا، فإن العفو إحسان إلى النفس قبل أن يكون إحسانًا إلى الآخر.
فأنت حين تعفو لا تقول إن ما حدث كان صحيحًا، وإنما تقول:
لن أسمح لما حدث بالأمس أن يسرق مني سلام اليوم.
وهذه من أعمق معاني العفو.
العفو في زمن الخصومات المفتوحة
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الغضب أسرع انتشارًا، والخصومات أطول عمرًا.
كلمة تُكتب في لحظة انفعال، فيرد عليها الآخر، ثم يأتي ثالث ورابع، حتى تتحول مسألة صغيرة إلى معركة يشاهدها المئات.
والأغرب أننا أصبحنا أحيانًا نوثق غضبنا ونحتفظ به؛ صورٌ للرسائل، ومقاطع للمواقف، ومنشورات قديمة نستخرجها كلما تجدد الخلاف.
فأصبح النسيان أصعب، والعفو أشد حاجة.
ليس كل تعليق يستحق ردًا، ولا كل إساءة تستحق معركة، ولا كل من استفزك يستحق أن تمنحه من وقتك وراحة قلبك.
أحيانًا يكون التجاوز أبلغ جواب.
واعفوا… ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟
ومن أعظم آيات العفو قوله تعالى في قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بعدما خاض مِسطح بن أُثاثة في حديث الإفك، وكان أبو بكر ينفق عليه لقرابته وفقره. فلما وقع ما وقع، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فنزل قول الله تعالى:
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
[النور: 22].
فقال أبو بكر: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، وأعاد إليه نفقته.
ما أعظم هذا الميزان!
حين يصعب عليك أن تعفو، تذكّر أنك أنت أيضًا تحتاج إلى عفو الله.
نحن جميعًا نخطئ، ونحتاج من يغفر زلاتنا، ويقبل اعتذارنا، ويتجاوز عن تقصيرنا. فكيف نطلب لأنفسنا أبواب الرحمة مفتوحة، ثم نغلقها في وجوه الآخرين؟
انتصار القلب
العفو ليس لحظة ضعف، بل لحظة سيادة على النفس.
أن تغضب أمر بشري.
وأن تتألم حق لك.
وأن تطلب العدل حق لا ينكره عليك أحد.
لكن ألا تجعل الغضب قائدًا لحياتك، وألا تجعل الإساءة تغيّر معدن أخلاقك، وألا تحمل في قلبك إنسانًا أساء إليك حتى آخر العمر… فتلك قوة أخرى.
فالعظيم ليس من لم يُجرح، وإنما من جُرح ولم يتحول إلى جارح.
وليس القوي من لم يغضب، وإنما من غضب ولم يجعل غضبه يهدم ما بناه خُلُقه.
وليس المنتصر دائمًا من أخذ بثأره، فقد يأخذ الإنسان حقه ويبقى أسيرًا للغضب، وقد يعفو فيمضي خفيف القلب، تاركًا الأمر لله.
فاعفُ إن كان العفو إصلاحًا، واطلب حقك إن كان الحق يحتاج إلى عدل، وضع حدودك إن كانت الحدود تحميك؛ ولكن لا تجعل الكراهية بيتًا دائمًا في قلبك.
فالعمر أقصر من أن نقضيه في إعادة معارك الأمس، والقلب أثمن من أن نحوله إلى مستودع للضغائن.
وحين تقدر على الرد ثم تختار العفو، وحين تستطيع الانتقام ثم تختار السلام، وحين تتذكر الألم دون أن تتمنى الألم لمن سببه…
فهناك، في أعماقك، يقع انتصار لا يراه أحد.
إنه انتصار القلب على الغضب.













