بقلم : الباحث د.عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
اللهجة العراقية ليست مجرد لهجة، بل هي عالمٌ كاملٌ مليءٌ بالألوان والطرائف والتعبيرات التي لا يفهمها إلا العراقيون.
إنها لغةٌ مليئةٌ بالصور الذهنية، تدمج بين الطرافة والغرابة، وبين الشدة والحنين، وبين الجدية والفكاهة السوداء أحيانًا. ولهذا السبب يجد أي شخصٍ من خارج العراق صعوبةً كبيرةً في فهمها؛ فهي لا تُترجم حرفيًا، وكل عبارةٍ تحمل وراءها قصةً أو موقفًا.
وتستخدم اللهجة العراقية كلماتٍ ومفرداتٍ تحمل معاني متعددة، وتراكيبَ جمليةً قد لا تكون مألوفةً للمتحدثين بلغاتٍ أخرى.
خذ مثلًا هذه الجمل:
إذا قال لك أحدهم: «سَوْلِفْها عالدَّبَّة»، فهو لا يمدح مهاراتك في الحوار، بل يعني ببساطة أن كلامك غير منطقي.
أما إذا سمعت: «دَگّوله طابع»، فاعلم أن أحدهم قد تم طرده من مكانه.
وعندما يقول أحدهم: «شَدّوله مُغَذّي»، فهو يتحدث عن جعل شخصٍ ما ينتظر بلا جدوى.
ولا ننسى عبارة: «ساحِب استمارة»، التي تصف حالة الاحتضار بطريقةٍ هزليةٍ مأساوية.
المجاز حين يصبح عراقيًا
اللهجة العراقية تعتمد كثيرًا على الصور المدهشة والمجازات المبالغ فيها، وأحيانًا تختلط الطرافة بالكوميديا السوداء.
«موت الكرفك» قد تُقال لشخصٍ مزعج أو مقرف، بمعنى: «قبّحك الله».
أما «الفار يلعب بعبّه» فتُستخدم عندما يشكّ شخصٌ ما في أمرٍ ما، وكأن الشك يتحرك داخل ذهنه كفأرٍ مشاغب.
و**«لاگف»** أو «شاخط» تصف شخصًا مجنونًا، بطريقةٍ تجعلها أكثر طرافةً من مجرد وصفٍ بسيط.
العراقيون… حتى الأشخاص لهم أسماء أخرى!
كما أن اللهجة العراقية تتفنن في وصف الأشخاص بحرفيةٍ غير متوقعة:
الشخص الفارغ يُسمّى «بوخة».
والشخص المتمرّس يُلقّب «أبو درب».
والشخص السمين يُسمّى «أبو ثرب».
أما الشخص الطفيلي والمزعج فهو «مشلغم».
وحين تدخل اللهجة إلى الحياة اليومية
في المواقف اليومية، تتعامل اللهجة العراقية مع الكلام بحسٍّ فكاهي لا يُضاهى:
«خلّي يولّن» تعني: دعك من هذا.
«دفك ياخة عاد» تعني: دعني وشأني.
«براس منو التقفيصة» تُستخدم للسؤال عن مَن سيدفع حساب العشاء.
أما «عبالك مپـنچر الدبابة»، فتُقال للشخص الذي يفتخر بأبسط الإنجازات.
هذه مجرد لمحةٍ عن ثراء اللهجة العراقية، التي تمتاز بإيقاعها الخاص، وصعوبة فهمها لمن ليس من أهل العراق، وأحيانًا بسحرها الفكاهي السوداوي.
ففي اللهجة العراقية، يمكن لكل جملةٍ تقريبًا أن تتحول إلى قصةٍ قصيرة قائمة بذاتها.
الخلاصة
تُعَدّ اللهجة العراقية صعبةً لغير العراقيين بسبب وجود طبقةٍ لغويةٍ قديمة من التأثيرات السومرية والأكدية والآرامية والفارسية والتركية واليونانية، التي أثّرت في المفردات والقواعد الصوتية والتركيبية للغة، بالإضافة إلى وجود اختلافاتٍ واضحة في النطق بين مناطق العراق المختلفة.
24.سبتمبر.2026م.















