ابتسام هادي عشان
هل تسمعني الدنيا إن شكوتُ فراقه؟ وهل تتسع القلوب لأهرب من قلبي المحترق؟ وهل تسعفني الكلمات لأبوح بما يختلج في صدري؟
وكيف لي أن أحدثكم عن رجلٍ عاش يتيمًا، فصنع من اليتم قوة، ومن المعاناة عزيمة، ومن التجربة حكمة؟
كيف أحدثكم عن حياته وكفاحه، عن رجاحة عقله، ورزانة حديثه، وفصاحة لسانه، وعن قلبه الذي اتسع للجميع، وحزمه الذي لم يكن إلا وجهًا من وجوه رحمته، وعزمه الذي لم يعرف الانكسار؟
كيف أحدثكم عن ذاكرتي التي أنهكها الفقد، وعن حنينٍ تصدع وهو يبحث عنه في كل زاوية من العمر؟
ذلك الرجل الطيب… لم يمهلني الزمن لأعتاد الأيام من دونه. فما زال صوته يسكن مسامعي، وما زالت رائحته تعبق بأنفاسي، وما زال حضنه الدافئ وطنًا تسكن إليه روحي كلما أثقلها الشوق.
لم تكن تطيب له صلاة إلا في بيوت الله، ولم تكن تمر عليه ساعة إلا ولسانه رطبٌ بذكر الله. وكان القرآن رفيق أيامه ولياليه؛ فإن شغلته الحياة ختمه كل ثلاثة أيام، وإن اتسع له الوقت أكثر من ذلك. ولم يكن يترك صلاة الوتر مهما تبدلت الظروف، ولا يفتر عن الدعاء بخضوعٍ وخشوع.
علّمنا بفعله قبل قوله كيف تكون الخلوة مع الله، حتى كنا نستحي من أنفسنا، ونحن الشباب، أمام صدق عبادته وإخلاصه.
لم يدخل أبي مدرسة، لكنه كان مدرسةً قائمة بذاتها. كان قارئًا، وكاتبًا، ومعلمًا، شهد له كل من عرفه بسعة العلم، ورجاحة الرأي، وحسن الفهم. لم يكن سؤالٌ يعجزه، ولا أمرٌ إلا وجد له فيه رأيًا وحكمة وكلمة.
كان سيد الرجال بين قومه، وحبيب أبنائه، وملاذ بناته، وربيع قلوب الأطفال. يلاعبهم، ويداعبهم، ويطعمهم بيديه، وكأن قلبه خُلق ليزرع الطمأنينة في كل من اقترب منه.
كنا نحسبه ـ والله حسيبه ـ من الصالحين، ونظن أننا نعرف كل ما يعيشه، لكن بعد رحيله تكشفت لنا أعمالٌ خفية بينه وبين الله، ومواقف لم يكن يخبر بها أحدًا.
ومن أكثر ما هز قلبي، ما رواه ابن أخي هادي، وكان يومها في الثانية عشرة من عمره، إذ قال: “كان جدي يجمعنا ويقول: ساعدوني في ختم القرآن. فكنا نجلس حلقةً واحدة، ويقرأ كل واحد منا صفحة.”
ثم تنهد ذلك الطفل تنهيدةً مزقت قلبي قبل أن يتم حديثه.
أما إمام المسجد فقال كلماتٍ لن أنساها ما حييت: “لن تبكوه وحدكم… بل ستبكيه معكم جدران المساجد.”
أما رحيله…
فقد دخل المستشفى لنطمئن عليه، فإذا بالهموم تتسارع إلينا، والمخاوف تحيط بنا، بينما كان هو يبتسم ويقول لنا دائمًا: “أنا بخير… الحمد لله.”
وقبل وفاته بأيام، وفي يوم السبت الموافق 12/6/1443هـ، رفع بصره إلى السماء وقال بالحرف: “محمد… يا محمد… في مثل هذا اليوم، في اليوم الموعود، في الليلة المباركة… إلى جنات النعيم.”
ثم خفض رأسه، وأخذ يؤذن ويقيم الصلاة، ويصلي ركعتين، ثم يسلم، ويعيد الأذان والإقامة والصلاة، دون أن يحدث أحدًا.
وفي يوم السبت الموافق 26/6/1443هـ…
نام حبيب القلب، وقرة العين، ورحل في هدوءٍ عجيب، حتى إن الأطباء قالوا: “لا توجد دلالة على الوفاة سوى أن القلب قد توقف.”
رحل كما عاش… هادئًا، مطمئنًا، تاركًا خلفه عاصفةً من الحزن لا تزال تعصف بقلوبنا.
وأقسم بمن أحل القسم، أن كلماتي مهما اجتهدت، فقد تعثرت، وتبعثرت، وعجزت عن أن تحتوي سيرة حياته النقية، ومسيرته العطرة.
فما كتبته هنا ليس إلا نقاطًا من بحر، وحروفًا من سيرة رجلٍ لا تكفيه الكتب، ولا توفيه الكلمات.
رحمك الله يا أبي، وجعل القرآن الذي عاش معه شفيعًا له، وجعل المساجد التي عمرها شاهدةً له لا عليه، وجمعنا به في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا وجع.
إلى أين يا أبي؟













