العراق يحتفل بيوم السيادة الوطنية؟

د. سمير خليل الخفاف

السيادة الوطنية هي “السلطة العليا والمستقلة التي يمارسها الشعب أو الدولة على أرضها وسكانها وقراراتها، من دون خضوع لسلطة خارجية أعلى”. وهي ليست مجرد استقلال سياسي، بل فكرة فلسفية تتعلق بمصدر السلطة، وحدودها، وشرعيتها، وعلاقتها بالحرية والقانون.

أولًا: المعنى الأساسي للسيادة
تتكون السيادة من ثلاثة أبعاد:
– العلو: لا توجد داخل الدولة سلطة أعلى من السلطة السيادية.
– الاستقلال: لا تخضع الدولة في قراراتها الأساسية لإرادة دولة أخرى.
– الشمول: تمتد سلطة الدولة على الارض والسكان والقوانين والسياسات العامة.
فالدولة ذات السيادة تملك حق وضع قوانينها، إدارة مواردها، حماية حدودها، اختيار نظامها السياسي، وإقامة علاقاتها الخارجية. اين نحن من هذا في عراق اليوم؟

ثانيًا: السيادة والسيادة الشعبية
فلسفيًا، السؤال الأهم هو: “من أين تأتي السلطة؟”
هناك إجابات مختلفة:
1. السيادة المطلقة
رأى جان بودان أن السيادة سلطة دائمة ومطلقة داخل الدولة.
أما توماس هوبز فاعتبر أن الناس يتنازلون عن جزء كبير من حريتهم لحاكم قوي، مقابل الأمن ومنع الفوضى.
في هذا التصور، تكون الأولوية لـ “وحدة الدولة والنظام”، لكن الخطورة أن يتحول إلى تبرير للاستبداد إذا لم تكن هناك قيود قانونية.
2. السيادة الشعبية
هذه الفكرة ترى أن الشعب هو المصدر الحقيقي للسلطة، وأن الحاكم لا يملك السلطة من ذاته، بل يمارسها بتفويض من المواطنين.
جان جاك روسو رأى ان السيادة تعبر عن “الإرادة العامة”، أي الإرادة التي تهدف إلى المصلحة المشتركة لا إلى مصالح فئة معينة. لذلك لا تكون السيادة ملكًا للحاكم، بل ملكًا للمواطنين مجتمعين.
3. السيادة الدستورية والقانونية
في الفكر الحديث، لا تعني سيادة الشعب أن الأغلبية تستطيع فعل كل شيء. فالسيادة تُمارس عبر الدستور والقانون، مع احترام الحقوق الأساسية وحقوق جميع الأطياف.
بذلك تصبح الدولة خاضعة لمبدأ:
“لا سيادة بلا قانون، ولا قانون مشروع بلا عدالة.” اين انت من هذا ياعراق اليوم؟

ثالثًا: الفرق بين السيادة الوطنية والسيادة الحكومية:
السيادة الوطنية ليست مساوية للحكومة القائمة.
– الدولة كيان مستمر.
– الحكومة جهاز مؤقت لإدارة الدولة.
– الشعب هو مصدر الشرعية في النظام الديمقراطي.
– السيادة تعود إلى الأمة أو الشعب، لا إلى الأشخاص الذين يحكمون مؤقتًا.
لذلك فإن انتقاد الحكومة أو تغييرها لا يُعد خيانة للوطن؛ بل قد يكون ممارسة للسيادة الشعبية.

رابعًا: السيادة الداخلية والخارجية
السيادة الداخلية:
تعني قدرة الدولة على تنظيم شؤونها الداخلية، مثل:
– سن القوانين.
– إقامة القضاء.
– إدارة الاقتصاد والتعليم والأمن.
– حماية النظام العام.
– تنظيم العلاقة بين المواطنين والمؤسسات.
السيادة الخارجية:
تعني استقلال الدولة عن الإملاءات الخارجية، وحقها في:
– تقرير سياستها الخارجية.
– حماية حدودها.
– عقد الاتفاقيات.
– اختيار تحالفاتها.
– رفض الاحتلال أو التدخل في شؤون الداخلية للبلاد.
لكن الاستقلال لا يعني العزلة؛ فالدولة قد تتعاون مع غيرها مع احتفاظها بحقها في اتخاذ القرار.

خامسًا: السيادة والحرية
هناك علاقة عميقة بين السيادة والحرية. فالدولة لا تكون ذات سيادة حقيقية إذا كان قرارها السياسي أو الاقتصادي مفروضًا من الخارج. وفي المقابل، لا يكون المواطن حرًا إذا كانت الدولة نفسها مستبدة به.

لذلك يجب التمييز بين:
– سيادة الدولة: استقلالها عن الخارج.
– سيادة الشعب: قدرة المواطنين على المشاركة في الحكم.
– حرية الفرد: حماية الإنسان من تعسف الدولة أو الأغلبية.
السيادة المتوازنة تحمي الدولة من الخارج، وتحمي المواطن من الداخل.
اين انت من هذا يا عراق؟

سادسًا: حدود السيادة
السيادة في الفكر المعاصر ليست حقًا مطلقًا في فعل أي شيء. فهي مقيدة بعدة مبادئ:
– الدستور.
– حقوق الإنسان.
– العدالة.
– القانون الدولي.
– حقوق الأطياف.
– عدم الاعتداء على الدول الأخرى.
– المسؤولية تجاه المواطنين.
فلا يجوز لحكومة أن تقول: «هذا شأن داخلي» لتبرير التعذيب أو الإبادة أو الاستبداد. السيادة لا تمنح الدولة حصانة أخلاقية مطلقة كما يحدث في عراق اليوم؟

سابعًا: السيادة في عصر العولمة
أصبحت السيادة اليوم أكثر تعقيدًا بسبب:
– الشركات العالمية.
– المؤسسات المالية الدولية.
– الاتفاقيات الدولية.
– شبكات الإنترنت والإعلام.
– الأزمات البيئية والصحية.
– الاعتماد الاقتصادي المتبادل.
لذلك لم تعد السيادة تعني القدرة على التصرف منفردًا دائمًا، بل أصبحت تعني أيضًا “القدرة على التفاوض والتعاون من موقع مستقل”.
قد تتنازل الدولة طوعًا عن بعض صلاحياتها من خلال اتفاقيات أو اتحادات، لكن التنازل الاختياري يختلف عن فقدان السيادة بالإكراه.

السيادة الوطنية هي “حق الجماعة السياسية في أن تكون مصدر قانونها وقرارها ومصيرها، داخليًا وخارجيًا، مع خضوع السلطة للشرعية والقانون والعدالة”.

وبعبارة أعمق: السيادة ليست مجرد قوة الدولة، بل هي “استقلال القرار السياسي، وشرعية السلطة، وحرية الشعب، ومسؤولية الدولة”. فإذا غاب الاستقلال أصبحت الدولة تابعة، وإذا غابت الشرعية أصبحت السيادة استبدادًا، وإذا غابت العدالة أصبحت حمايةً للسلطة لا حمايةً للوطن.

كل التقدير للشعب العراقي المغلوب على امره.

٢٠٢٦/٩/٣٠

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24