عراق الزيدي ….مساءلة ضمير مع التاريخ ! هل ستبتلع الأيديولوجيا الطائفية أحلام التنمية والمواطنة العراقية ؟

أ. د. طارق السامرائي/جامعة ترنتي
بعد ان شهدت ردهات البيت الأبيض في 14تموز الماضي طيف الحضور الزيدي في انعطافة فريدة ما يكثف معضلة الحكم في عراق اليوم في لقاء الحاكم العراقي الجديد علي الزيدي بالرئيس دونالد ترامب (لقاء غير تقليدي او عابر ،بل رسمياً يمثل حضور العراق في التهيؤلمرحلة سياسية جديدة وضعت حداً لفيتو واشنطن الصارم ضد شخوص الحكم السابقين العقائديين وفتحت مصراعي الباب لرجل يقود فصلا تاريخياً قادم من ميادين المصارف والأعمال )
حضر الزيدي حاملاً حقيبة التنمية بديلاً (من حقيبة الايديولوجيات العفنة التي أرهقت العراق لأكثر من عقدين )ورغم ان الولايات المتحدة تتحمل كل المسؤولية وليس الجزء منها عن حال العراق ومراحل تدهوره كونها البلد المحتل منذ عام 2003وما تعرض له هذا البلد الامين من كوارث وسياسات معوجة ومأسي ،يضع الزيدي بالضرورة امام قيادة العراق للتحرر من أسر (الهويات القاتلة والشعارات الطائفية)لمصلحة واقعية التنمية شبيهة بالنموذج الخليجي )
ام ان برغماتية المصارف ستصدم مجدداً بجدران البنية العميقة لدولة المحاصصة وانفلات السلاح وتوطينه بيد الميليشيات العميلة لايران ؟.
العراق لم يكن يوماً غريباً عن عبء الايديولوجيات لكنه كان مع مضمونها العربي والقيمي والوطني ،ففي حكم حزب البعث العربي الاشتراكي (اختزلت الدولة والمجتمع في بوتقة النهج القومي العربي باطار ومفهوم فلسفي نابع من بطون تاريخ الامة بلا تعصب ولا تحيز طائفي ولا عسكرة فكرية بل ضمن فضاءات رحبة من التجاذب السياسي والفلسفي المعاصر )
ولم تتحول بغداد من طبيعة مركزها (إشعاع حضاري واقتصادي إلي ثكنة عسكرية تتصدر الحروب والمعارك الاقليمية وان فرضتها ظروف المقاومة لكي تحمي الامة كبوابة شرقية للامة )
هذه السياسة العقائدية للوطن سبب عداء إقليمي ودولي انتهي بالبلاد إلي عزلة دولية خانقة وفرض حصار عصيب ومؤذي وجائر اقتصادي اللون مرير دمر الطبقة الوسطي من المجتمع وبث سموم الأساليب السيكولوجية لإنهاك الدولة وطبيعة نظامها ختمها الاحتلال الأمريكي الاسرائيلي الايراني مع ٤٣ دولة من عصبة الحلفاء .
وبدلا من ان تقوم دولة الاحتلال امريكا بشرعنة قوانين وتشريعات تحفظ العراق دولة وشعب وولادة دولة مواطنة ومؤسسات تحولت بعد تسليم العراق لايران ان سقطت البلاد في فخ الآيديولوجيا الطائفية لا تقل فتكاواذي عن الاحتلال وهي (الأيديولوجيا الطائفية بعقيدة ايرانية وتحت شعار تصدير الثورة )
وتسلمت القوي الشيعية السياسية المتطرفة والتي نضجت في دواوين المنفي الإيراني مقاليد الحكم مستندة إلي (سردية المظلومية التاريخية وأسلوب المحاصصة الطائفية).
وجري فك ارتباط العراق بعمقه العربي لصالح ايديولوجيا ايران وباتت مؤسسات دولة العراق الرسمية لمصلحة نموذج (مواز) تديره الميليشيات والأحزاب الطائفية ذات العقيدة الواحدة ولم تعد ثروات العراق ومصادرها ملكاً للتنمية والتطوير والتعليم والصحة لا تحولت إلي (مغانم لتمويل إمبراطوريات المالية لاحزاب ايرانية شيعية وشبكات الولاء العابر للحدود .
نتيجة لهذا النهج تفشي الفساد بكل أنواعه بصورة هيكلية و(ضياع الهوية الوطنية الجامعة )وبروز تنظيمات متطرفة حاقدة لها ايديولوجيتها المتخلفة مثل تنظيم الدولة -داعش- وحزب الله العراقي وابناء الحسين وعدد آخر ،الأمر الذي دعي النظام السياسي للعراق يدور في حلقات مفرغة من العنف المتبادل الي الإفلاس الخدمي الي تردي القيم والجوع الشمولي والتي كشفتها حملات مكافحة الفساد الأخيرة المصغرة بدءأ (صولة الفجر)رأس جبل الجليد المخفي تحت ركام 23 عاماً من الضياع والجةخراب والجوع والفساد .
———————————————
الإفرازات ما بعد 7اكتوبر عام 2023
والتغيرات الجيوسياسية
————————————————
نتيجة لهذه التغيرات التي اصابت منطقة الشرق الأوسط منذ 7 اكتوبر وبعد حروب قصيرة متلاحقة في الخليج وسقوط (نظام الاسد في سوريا)كان من الطبيعي ان يمتد التغيير نحو العراق .
دلالة صعود علي الزيدي الي موقع السلطة هو اعتراف ضمني من النخبة السياسية الحاكمة (بانسداد أفق النهج العقائدي القديم امام الضغوط الاقتصادية والتهديدات الأمريكية بقطع شريان الدولار )
لقد فرض واقع الحال تجاوز( صقور الطائفية والفساد التقليديين والذهاب نحو تكنوقراط مالي يستطيع التحدث بلغة الأرقام والمصارف والتي تستوعبها واشنطن ومؤسسات النظام الدولي الحالي )!
———————————————-
يحاول الزيدي اليوم تسويق نهج
——————————————-
التنمية خيارا لإنقاذ ما يمكن انقاذه ————————————————ويركز خطابه علي مشاريع الاستثمار ————————————————وربط عجلة العراق بالمحيط الاقليمي —————————————————والدولي عبر خطوط النقل والطاقة ————————————————-وتغير المشكلات السياسية لتأمين ———————————————-تدفقات رؤوس الاموال في محاولة ————————————————-للانتقال بالعراق من مربع دولة ——————————————-الأيديولوجيا الي مربع دولة الانجاز ——————————————-والخدمات .
——————————
ويستند الزيدي في محاولته هذه التنوية علي اسس التجربة الخليجية المجاورة (الإمارات وقطر والكويت والسعودية وعمان ) والتي ادركت منذ نشأتها ان (الاستقرار المستدام يبدأ وينتهي بالاقتصاد)مبتعدة عن (الصراعات الايدلوجية الكبري )والتي مزقت دول المشرق العربي ومصدر
——————————————نشرها ايران وايران لوحدها !
————————————————
هذا النموذج البراغماتي لم يعد ملكاً في دول صغيرة بل تجسد في التحولات التاريخية الذي تشهده السعودية تحت قيادة شابة مؤمنة بالتحديث والتطوير العقلاني تحت مشروع (نحت الأيديولوجيا الدينية التقليدية جانبالمصلحة مشروع تنموي واقتصادي عابر للحدود ،يركز علي جودة الحياة وجذب الاستثمارات وصناعة السياحة والترفيه كونها وسائل مستدامة للنفط ).
————————————————
المفارقة الصادمة بين العراق ودول الإقليم والجوار المتمدن
————————————————
في سياق المقارنة الصادمة بين العراق ودول الخليج والجوار ،فوارق هيكلية وجوهرية !
———————————————
دول الخليج تمتلك اجهزة ونظام دولة مركزية قوية وذات قواعد علمية واحتكار كامل للسلاح وبيئة قوانين تشريعية مستقرة جاذبة للاستثمار
———————————————
يواجه علي الزيدي في عراق اليوم وايران علي الصفيح بيئة ملغومة بالعبوات السياسية (السلاح منفلت وخارج يد الدولة والولاءات العقائدية للميليشيات تفوق الولاء للوطن والامة والدستور وشبكات الفساد الحزبية ذيول للخارج والتي تتغذي علي ريع واموال الدولة بمعني حق الشعب وصناعة مشاريع تنموية في الخيال فقط
————————————————
ان نجاح الزيدي في رحلته الصعبة ولبها التنمية لا تقاس بمدي رضا واشنطن عنه ولا بحجم الوعود الاستثمارية التي يتباهي بها من عواصم القرار الاقتصادي فقط بل اولا:-
—————
١- مدي قدرته علي سيادة وفرض القانون .
٢- حصر السلاح بيد الدولة
٣- هدم وقبر الفساد بدءأ بالحيتان والأقزام ومصادرهم .
———————————————-
لكنه وسط هذه المخاطرة الجسورة والشجاعة يحتاج إلي ما يلي :-
—————————————
١- بيئة سياسية نظيفة ومؤمنة بخط التوجه
٢- تفكيك ذكي لكل منظومة المحاصصة الطائفية
٣- ترسيخ مشاريع التنمية علي ارض الواقع وشرواها من مجرد واجهات براقة تتقاسم ارباحها الميليشيات والأحزاب الموالية لايران والحياتية من كل الأطراف والتي دمرت العراق ومزقت نسيجه المجتمعي .
————————————————————————————————
الاستنتاج لما احتوي المقال
———————————————
ان الدرس الذي يجب تعلمه من تجارب المنطقة هو أن القتاد لا يمكن أن ينمو في تربة ترويها العقائد والإيديولوجيات المسلحة وان التنمية بلا سيادة ليست سوي حرث في البحر !!!
وبالمقارنة في سياق الواقع للساحة العربية اليوم فان لسوريا سيناريو آخر ربما يتطابق او شبه ما يتطابق مع العراق !
والمعضلة في العراق قد لا تبدو معزولة عن محيطها اذ تمتد خطوط المقاربة لترسم ظلالا قاتمة علي المشهد السوري الآخذ في التبلور !
ففي وقت تبحث فيه بغداد عن طوق النجاة تنموي للخروج من مستنقع (الأدلجة )،تواجه دمشق خطر السقوط في الفخ ذاته.
————————————————-
فبعد ثورة مريرة طالت 14 عاماً قدم فيها الشعب السوري تضحيات كبيرة من اجل
——————————————— (حلم وطني شمولي وهو دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة والقانون)
————————————————-
تبرز اليوم مخاوف وقلق جماعي من انزلاق البلاد نحو نموذج استقطابي جديد تهيمن عليه تنظيمات تحت شعار (تمثيل المكون السني )وهوتوجه يذهب نحو تطييف الفضاء السياسي وإقصاء المكونات للمجتمع السوري وكا حدثت عام 2003 في تجربة العراق المريرة وبحذافيرها حين سارعت النخبة السياسية الشيعية بدعم (إيراني حاقد)الي (احتكار الدولة )وتهميش الآخرين تحت (مظلة المظلومية والغالبية )الكاذبتين .
——————————————
مما ادي التشيع السياسي في العراق الي تفتيت الهوية الوطنية وبزوغ مقصود إيراني أمريكي صهيوني (مشروع تأسيس الميليشيات)وانهيار الاقتصاد
————————————————
هذا التسنن السياسي الإقصائي هو ——————————————الذي يجهض تطلعات الشعب في بناء دولة ——————————————قانون ومؤسسات عابرة للطوائف—————-
والتحذير الذي يرسله الواقع العراقي المثخن بالجروح إلي صانعي القرار في دمشق وغيرها واضح وصريح كالشمس هو :-
(((ان بناء الاستقرار علي اسس الهويات والانتماءات العقائدية الضيقة (أيا كانت مصادر طائفيتها)هو وصفة لادامة الحروب وصناعتها وإفلاس اقتصادي حتمي .
—————————————-
الشرعية الحقيقية لرئيس وزراء العراق السيد علي الزيدي لا تنتزع بفرض الهيمنة الفئوية (طفيليات الطائفية)بل بمدي القدرة علي تأسيس شراكة وطنية شاملة تعلو فيها لغة الوطن ومصالح الشعب والتنمية والمواطنة الحقة فوق لغة الإقصاء والايدلوجية،فالسياسة فضاء ———————————————-يضم الجميع والا تصبح (سجناً ومقصلة )
————————————-
الشعب السوري تضحيات جسيمة من أجل بناء دولة وطنية ذات طابع ديموقراطي وعدالة مستديمة تبرز اليوم هواجس من انزلاق البلاد نحو نموذج استقطابي تهيمن عليه قوي متطرفة تحت شعار (المكون السني)وهو دخلاته توجه نحو تطييف الفضاء السياسي وإقصاء المكونات الاخري وهو يماثل اعادة انتاج التجربة العراقية المريرة بحذافيرها،حين سارعت النخبة السياسية الشيعية وبدعم ايران الي (احتكار الدولة )وتهميش دور المكونات الاخري تحت مظلة (المظلومية والأغلبية )حيث ادي التشيع السياسي في العراق الي :-
١- تفتيت الهوية الوطنية
٢-بروز الميليشيات وجماعات الحشد الإيرانية
٣- انهيار المنظومة الاقتصادية
وبهذا (التسنن)السياسي الإقصائي في سوريا سيجهض امال وتطلعات الشعب السوري في بناء (دولة القانون ومؤسسات عابرة للطوائف).
ان التحذير الذي يرسله الجسد العراقي المثخن بالجراح الي مسؤولي وصانعي القرارات الجدد في كل مناطق الشرق الأوسط واضح وصريح وصادق (ان بناء الاستقرار علي اسس الهوية العقائدية الضيقة اياً كان نوعها ) هو وصفة لحروب اهلية جديدة وإفلاس اقتصادي اكيد .
لان الشرعية الحقيقية لا تنتزع بفرض الهيمنة الفئوية بل بمدي القدرة علي (تاسيس شراكة وطنية شمولية تعلو لغة المصالح الوطنية والتنمية فوق لغة الإقصاء والعقاؤدية ).
تبدأ دورة الحياة في الأوطان والدول بالسياسة ،لا بأقصائها لأن السياسة فضاء يضم الجميع والا :-
———————————————
أصبحت سجناً ومقصلة .
———————————————
استاذ دكتور طارق السامرائي/بريطانيا

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24