سيادة القانون… حين تصبح العدالة أقوى من القوة

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش
محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان – فلسطين
غزة – فلسطين _ الأربعاء 12 أغسطس/آب 2026م

حين يسود القانون، لا يخاف الضعيف من القوي، ولا تتحول السلطة إلى امتياز، ولا يصبح الحق رهينةً للنفوذ. هناك تبدأ العدالة في اكتساب معناها الحقيقي، ويشعر الإنسان بأن كرامته ليست منحةً من أحد، بل حقًا أصيلًا تحميه قواعد عادلة ومؤسسات لا تميز بين إنسان وآخر. ومن هنا تبدأ الحقيقة البسيطة والعميقة لسيادة القانون: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج حمايته.
فالقانون لم يوجد ليكون حبرًا على ورق، ولا ليبقى أسير النصوص والمواد، وإنما وُجد ليضع حدودًا للقوة، وينظم ممارسة السلطة، ويحمي الحقوق، ويمنع أن تتحول الدولة من إطار لحماية الإنسان إلى أداة للهيمنة عليه. ولذلك فإن قوة المجتمع لا تُقاس بكثرة القوانين التي يملكها، وإنما بقدرته على تحويلها إلى واقع يلمسه الإنسان في أمنه وحريته وكرامته، وبمدى استعداد مؤسساته لاحترامها حين تتعارض مع المصالح والنفوذ. فالقانون يفقد جوهره عندما يخضع للأشخاص، والعدالة تفقد معناها عندما تتغير بتغير موازين القوة.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لسيادة القانون لا يظهر في أوقات الهدوء، وإنما عندما يصبح تطبيق القانون صعبًا، وعندما يقف الحق في مواجهة النفوذ، وعندما يكون الطرف الذي يحتاج إلى الحماية هو الأضعف. عندها فقط يتضح ما إذا كان القانون قاعدةً للجميع أم امتيازًا لمن يملك القوة، وما إذا كانت المؤسسات قادرة على حماية الحق أم أنها ستتراجع أمام أصحاب النفوذ. فالقانون لا يُقاس بما يقوله في الظروف السهلة، وإنما بما يفعله عندما تكون العدالة على المحك.
ومن هنا تأتي أهمية استقلال القضاء والفصل بين السلطات والمساءلة والمساواة أمام القانون. فهذه ليست مبادئ نظرية تزين الدساتير، بل ضمانات تحمي المجتمع من تحول السلطة إلى قوة بلا حدود. والقضاء المستقل هو الملاذ الذي يجد فيه المظلوم طريقًا إلى الإنصاف، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة هي التي تمنح الدولة القانونية معناها الحقيقي؛ لأن الدولة لا تُبنى على قوة الأشخاص، وإنما على قوة المؤسسات، ولا تستقيم بالسلطة المطلقة، بل بالسلطة التي تعرف حدودها وتخضع للقانون.
ولا تكتمل العدالة إذا بقي الإنسان بعيدًا عن مركز اهتمام القانون. فالقانون العادل هو الذي يحمي الضعيف قبل القوي، ويصون حقوق الفئات الأكثر احتياجًا، ولا يسمح بأن يتحول الفقر أو الإعاقة أو الاختلاف أو ضعف القدرة إلى سبب للانتقاص من الكرامة والحقوق. فالقانون ليس وسيلة للردع والعقوبة فحسب، بل إطار لحماية الإنسان وتحقيق التوازن داخل المجتمع، وضمان أن تكون الحقوق متاحة للجميع لا امتيازًا لفئة دون أخرى.
وتزداد قيمة هذه الحماية عندما تهتز المجتمعات وتشتد الأزمات. ففي زمن الحرب لا يصبح الإنسان أقل استحقاقًا للحماية، بل أكثر حاجة إليها. وعندما يعلو صوت السلاح وتتراجع مظاهر الاستقرار، قد تكون القواعد القانونية آخر جدار يحول دون تحول المدني إلى رقم، والضحية إلى خبر عابر، والكرامة الإنسانية إلى تفصيل هامشي في حسابات السياسة والحرب. ولهذا فإن احترام القانون في أوقات الأزمات ليس مجرد التزام قانوني، بل امتحان حقيقي لضمير الدولة والمجتمع والعالم؛ لأن المحن تكشف حقيقة المبادئ أكثر مما تكشفها الخطب والبيانات.
ويمتد هذا الامتحان إلى القانون الدولي الذي لا تُختبر قوته عندما تتوافق قواعده مع مصالح الأقوياء، وإنما عندما تتعارض تلك القواعد مع المصالح والنفوذ. فإذا وجد العالم أن القانون يُطبَّق بصرامة على طرف، ويُعامل بتردد عندما يتعلق الأمر بطرف أقوى، فإن الضرر لا يقع على قاعدة قانونية بعينها، بل يمتد إلى الثقة بالعدالة الدولية نفسها. فالمعايير المزدوجة لا تضعف القانون وحده؛ إنها تضعف الإيمان بفكرة العدالة، وتوحي بأن قيمة الحق قد تختلف باختلاف صاحبه، وأن حماية الإنسان قد تخضع لموازين السياسة بدل أن تكون حقًا أصيلًا لا يتجزأ.
ومن هنا فإن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن العدالة بقدر حاجته إلى إرادة حقيقية تجعل القانون فوق القوة، والإنسان فوق الحسابات السياسية الضيقة، والحقوق فوق المصالح المؤقتة. فالسلام الذي يتجاهل الحقوق قد يوقف صوت السلاح، لكنه لا يزيل أسباب الصراع، أما السلام الذي يقوم على العدالة والمساءلة واحترام القانون، فيملك فرصة حقيقية للبقاء؛ لأنه لا يكتفي بإسكات النزاع، بل يسعى إلى معالجة جذوره وبناء الثقة وفتح الطريق أمام المصالحة والاستقرار.
غير أن بناء مجتمع تحكمه سيادة القانون لا يتحقق بالقوانين وحدها، فالنص مهما كان محكمًا يظل عاجزًا إذا لم يتحول إلى وعي وسلوك وثقافة عامة. وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب القانونيين والمدربين والمثقفين، في بناء إنسان يعرف حقوقه وواجباته، ويدرك أن احترام حق الآخرين ليس تنازلًا عن حقه، وإنما حماية له وللمجتمع بأسره. فالوعي القانوني ليس ترفًا معرفيًا، بل حصانة اجتماعية تمنع انتشار الفوضى، وتحد من الظلم، وتجعل احترام القانون نابعًا من الاقتناع والمسؤولية لا من الخوف وحده.
كما أن سيادة القانون تمثل خط الدفاع الأقوى في مواجهة الفساد؛ لأن الفساد ينمو في المساحات التي تغيب فيها الشفافية والمساءلة. وحين يخضع المسؤول للقانون، ويُصان المال العام، وتصبح المحاسبة قاعدة لا استثناء، تتحول سيادة القانون إلى قوة لحماية التنمية، وتعزيز تكافؤ الفرص، وبناء مؤسسات أكثر نزاهة وثقة. فالمجتمع الذي يطبق القانون بعدالة لا يحمي حقوق أفراده فحسب، بل يحمي موارده ومستقبله وقدرته على النهوض.
إن مستقبل سيادة القانون لا يتوقف على إنتاج المزيد من النصوص، وإنما على بناء إرادة جماعية تحترمها وتطبقها على الجميع. فالقانون الذي لا يجد إرادة لتطبيقه يفقد أثره، والعدالة التي لا تشمل الجميع تفقد معناها، والحقوق التي لا تحميها المؤسسات تتحول إلى وعود مؤجلة. ولذلك فإن مسؤولية الأجيال القادمة ليست أن تعرف القانون فقط، بل أن تجعل احترامه جزءًا من سلوكها وثقافتها، وأن تدرك أن العدالة لا تتجزأ، وأن حماية حقوق الآخرين هي جزء من حماية حقوق الإنسان نفسه.
ومن فلسطين، حيث يختبر الإنسان بصورة قاسية المسافة الفاصلة بين الحق والقوة، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحًا، لا باعتبارها قضية تخص شعبًا واحدًا، وإنما باعتبارها سؤالًا يواجه الضمير الإنساني كله: هل يستطيع القانون أن يكون أقوى من القوة عندما تكون العدالة على المحك؟ إن الإجابة لا ينبغي أن تبقى شعارًا يُرفع، بل يجب أن تصبح ممارسة تُرى، وإرادة تُختبر، ومؤسسات تُحاسب، وقواعد تُطبق على الجميع دون استثناء.
وعندها فقط يصبح القانون ميزانًا لا يميل، والقضاء حصنًا لا يخضع، والسلطة مسؤولية لا امتيازًا، والعدالة حقًا لا منحة، والكرامة الإنسانية قيمة لا تخضع للمساومة. وعندها يصبح القانون أكثر من نصوص وقواعد؛ يصبح عهدًا بين الإنسان ومجتمعه، وضمانةً للحرية، وحصنًا في وجه الظلم، وطريقًا إلى سلام يقوم على الإنصاف لا على القوة.
فحين يصبح القانون أقوى من القوة، لا تنتصر النصوص وحدها؛ ينتصر الإنسان.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24