بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
قد يكون الإنسان سعيدًا ببيته… حتى يرى بيتًا أكبر.
وراضيًا بسيارته… حتى يركب سيارةً أفخم.
وفخورًا بابنه… حتى يسمع عن ابنٍ تفوق عليه.
ومطمئنًا إلى راتبه… حتى يعرف كم يتقاضى زميله.
وممتنًا لحياته… حتى يفتح هاتفه ويرى حياة الآخرين.
لم يتغير بيته.
ولا سيارته.
ولا ابنه.
ولا راتبه.
الذي تغير فقط هو المكان الذي ينظر إليه.
وهكذا تعمل المقارنة؛ لا تدخل حياتنا بضجيج، ولا تنتزع النعمة من أيدينا، وإنما تنتزع شيئًا أخطر:
الشعور بالنعمة.
*حين تصغر النعم في أعيننا*
المقارنة في أصلها ليست شرًا دائمًا. قد ترى إنسانًا متفوقًا في العلم فتجتهد، أو سابقًا إلى الخير فتقتدي به، أو ناجحًا في عمله فتتعلم منه.
هذه مقارنة تدفعك إلى الأمام.
لكن المشكلة تبدأ حين لا تقول:
كيف أتحسن؟
بل تقول:
لماذا ليس عندي ما عنده؟
هنا تتحول المقارنة من حافز إلى سارق.
تسرق الرضا أولًا، ثم الطمأنينة، وربما بعد ذلك تسرق العلاقة نفسها.
فالزوجة تقارن زوجها بأزواج صديقاتها.
والزوج يقارن زوجته بغيرها.
والأب يقارن أبناءه بأبناء أخيه.
والموظف يقارن راتبه بزميله.
والأسرة تقارن بيتها وسفرها وسيارتها بأسرة أخرى.
ثم ننسى حقيقة بسيطة:
أننا نقارن أشياء متشابهة في الظاهر، لكن وراءها حيوات مختلفة تمامًا.
*أنت ترى الصورة… ولا ترى الحياة*
لقد جعلت وسائل التواصل المقارنة أشد حضورًا من أي وقت مضى.
نستيقظ فنرى شخصًا في مطار، وآخر أمام منزل جديد، وثالثًا يحتفل بنجاح ابنه، ورابعًا في مطعم فاخر، وخامسًا يعرض سيارة جديدة.
ثم نجمع أجمل لحظة من حياة كل هؤلاء…
ونقارنها بيومنا العادي.
وهذه مقارنة لا يمكن أن تكون عادلة.
فأنت ترى الرحلة ولا ترى ربما سنوات الادخار.
وترى البيت ولا ترى القرض.
وترى نجاح الابن ولا ترى ليالي التعب.
وترى ابتسامة الزوجين في الصورة ولا تعرف ماذا يحدث بعد إغلاق الكاميرا.
نحن لا نقارن حياتنا بحياة الآخرين؛ بل نقارن أحيانًا كواليس حياتنا بواجهاتهم.
ثم نتساءل لماذا نشعر أننا متأخرون!
لا تقارن أبناءك
ولعل من أقسى المقارنات تلك التي يسمعها الطفل من والديه:
«انظر إلى ابن عمك.»
«فلانة أفضل منك.»
«أخوك كان أشطر منك في عمرك.»
وقد يظن الأب أنه يشجع ابنه، بينما تصل إلى قلب الطفل رسالة مختلفة:
أنت لست كافيًا.
الأطفال ليسوا نسخًا متكررة.
طفل يتفوق في الدراسة، وآخر في الرياضة، وثالث في الفن، ورابع في التعامل مع الناس. وحتى الإخوة الذين يعيشون تحت سقف واحد لا يملكون القدرات نفسها ولا الشخصية نفسها.
فلا تجعل نجاح طفل آخر سوطًا تضرب به ابنك.
قارنه بنفسه:
هل أصبح اليوم أفضل من الأمس؟
هل تقدم؟
هل حاول؟
المقارنة العادلة للإنسان هي غالبًا بين ما كان عليه وما أصبح عليه.
*لا تجعل المقارنة تدخل فراش الزوجية*
وما أسرع أن تهدم المقارنة المودة بين الزوجين.
*«زوج فلانة يأخذها إلى كذا.»*
«زوجة فلان تفعل له كذا.»
«بيتهم أجمل.»
«زوجها راتبه أعلى.»
هذه الكلمات قد تبدو عابرة، لكنها تقول للطرف الآخر في عمقها:
غيرك أفضل منك.
وما أقسى أن يسمع الإنسان ذلك ممن اختاره شريكًا لحياته.
قد يكون زوجك لا يملك مال الآخر، لكنه يملك خُلُقًا يفتقده الآخر.
وقد لا تكون زوجتك كالصورة التي تراها في حساب أحد، لكنها وقفت معك في أيام لم يقف معك فيها أحد.
فلا تقارن إنسانًا تعرف تفاصيله بإنسان لا تعرف إلا ظاهره.
*القرآن يعالج العين قبل القلب*
ومن أجمل التوجيهات القرآنية في هذا الباب قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[طه: 131].
تأمل التعبير:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾.
فالمشكلة تبدأ أحيانًا من العين، ثم تنزل إلى القلب.
تنظر طويلًا إلى ما في أيدي الآخرين، فيبدأ ما في يدك يفقد بريقه.
ولهذا جاء التوجيه النبوي واضحًا في أمور الدنيا:
«انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله». رواه مسلم.
ليس المقصود ألا نطمح أو نتقدم، وإنما ألا يتحول طموحنا إلى احتقار لنعم الله علينا.
هناك دائمًا من يملك أكثر
إذا قررت أن تقيس سعادتك بمن فوقك، فلن تصل.
اشتريت سيارة؟ هناك أفخم.
بنيت بيتًا؟ هناك أكبر.
ارتفع راتبك؟ هناك من يتقاضى أضعافه.
سافرت؟ هناك من يسافر أكثر.
نجح ابنك؟ هناك من حصل على درجة أعلى.
حتى أصحاب الملايين يستطيعون النظر إلى أصحاب المليارات والشعور بأنهم أقل.
إنها لعبة لا نهاية لها.
والخاسر فيها ليس من يملك أقل…
بل من لا يستطيع أن يرى قيمة ما يملك.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس». رواه مسلم.
فقد يملك الإنسان القليل وقلبه واسع، ويملك آخر الكثير وعينه لا تشبع.
*المقارنة تقتل الامتنان*
جرب أن تنظر إلى حياتك يومًا دون أن تقارنها بأحد.
إلى البيت الذي يأويك.
إلى جسدك حين يستيقظ معافى.
إلى أب أو أم ما زلت تستطيع سماع صوتهما.
إلى زوج أو زوجة تشاركك الطريق.
إلى طفل يناديك أبي أو أمي.
إلى راتب ربما تراه قليلًا، لكنه يطعم أسرة.
إلى صديق تستطيع الاتصال به حين تضيق بك الدنيا.
أشياء كثيرة لا نعرف أنها ثروات إلا عندما نفقدها.
وقد نعيش سنوات نحزن لأننا لا نملك ما عند الآخرين، ثم يأتي يوم نتمنى فيه فقط أن يعود إلينا شيء كان عندنا ولم نكن نراه.
*نافس نفسك… لا حياة الآخرين*
الرضا لا يعني أن تتوقف عن الطموح.
اطمح إلى بيت أفضل.
واسعَ إلى راتب أعلى.
وعلّم أبناءك التفوق.
وطور نفسك.
وسافر إن استطعت.
وابنِ مستقبلك.
لكن افعل ذلك لأنك تريد أن تصبح نسخة أفضل من نفسك، لا نسخة من شخص آخر.
فالطموح يقول:
أريد أن أتقدم.
أما المقارنة المريضة فتقول:
أريد أن أكون مثله.
والفرق بينهما أن الأول ينظر إلى الطريق…
والثاني لا يرفع عينيه عن الناس.
السارق الصامت
المقارنة لا تطرق الباب.
إنها تدخل من صورة.
ومن حديث مجلس.
ومن سؤال عن راتب.
ومن نظرة إلى بيت.
ومن جملة نقولها لأبنائنا.
ثم تبدأ بسرقة الأشياء الجميلة دون أن نشعر.
تسرق فرحتك بما حققت لأن غيرك حقق أكثر.
وتسرق جمال بيتك لأن بيتًا آخر أكبر.
وتسرق فخرك بابنك لأن ابنًا آخر تفوق عليه.
وتسرق محبتك لحياتك لأنك رأيت لقطة أجمل من حياة شخص آخر.
لذلك، حين تشعر أن حياتك أصبحت أصغر في عينيك، لا تسارع إلى تغيير حياتك…
غيّر أولًا المكان الذي تنظر إليه.
فربما لم تكن فقيرًا كما ظننت.
وربما لم يكن بيتك ناقصًا.
ولا أبناؤك أقل.
ولا حياتك متأخرة.
ربما كنت محاطًا بنعم كثيرة…
لكن كثرة النظر إلى ما في أيدي الآخرين جعلتك لا تراها.
فلا تجعل المقارنة تسرق منك نعمةً لم يأخذها الله منك؛ وإنما أخذتَ أنت الشعور بها حين بقيت عيناك معلقتين بحياة الآخرين.













