أبناؤنا وشاشاتهم… مَن يربّي مَن؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

كان الطفل فيما مضى يتعلم كثيرًا من قيمه من بيتٍ يعرف أهله، ومدرسةٍ يعرف معلميه، ومسجدٍ يعرف إمامه، ورفاقٍ يعرف والده من يصاحب منهم.

أما اليوم، فقد دخل إلى غرفته عالمٌ كامل من نافذة صغيرة يحملها في كفه.

هاتف لا ينام.

وألعاب لا تنتهي.

ومقاطع تتوالد من مقاطع.

وأشخاص من أقصى الأرض يحدثونه كل يوم، وقد يعرف أصواتهم وأفكارهم أكثر مما يعرف حديث أبيه وأمه.

وهنا لا يعود السؤال:

كم ساعة يستخدم ابنك الهاتف؟

بل يصبح السؤال الأخطر:

مَن يربّي ابنك خلال تلك الساعات؟

مربٍّ جديد دخل بيوتنا

التقنية ليست عدوًا.

فبها يتعلم أبناؤنا، ويقرؤون، ويتواصلون، ويكتشفون العالم، ويكتسبون مهارات لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

لكن الخطأ يبدأ عندما نعطي الطفل جهازًا متصلًا بعالم لا حدود له، ثم نطمئن لأن جسده ما زال جالسًا في الغرفة المجاورة.

قد يكون ابنك تحت سقفك…

لكن فكره في مكان لا تعرفه.

وتشير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في إرشاداتها الحديثة إلى أن القضية لا تُختزل في عدد ساعات الشاشة وحده؛ بل ينبغي النظر إلى نوع المحتوى، وما تزاحمه الشاشة من نوم وحركة وعلاقات، وطريقة استخدام التقنية داخل الأسرة.

وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها.

فالساعة التي يقضيها طفل في تعلم لغة ليست كالساعة التي يقضيها يتنقل بلا هدف بين المقاطع، واللعبة التي يلعبها مع أسرته ليست كالعزلة لساعات خلف باب مغلق.

حين تتحول الشاشة من أداة إلى مربٍّ

التربية في جوهرها تكرار.

ما يسمعه الطفل كثيرًا يصبح مألوفًا.

وما يراه باستمرار قد يصبح طبيعيًا في نظره.

ومن هنا تكمن قوة الشاشة.

فهي لا تقدم الترفيه فقط؛ بل قد تقدم للطفل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تصورًا عن النجاح والجمال والمال والعلاقات واللغة، وعن الأشياء التي تستحق الإعجاب والسخرية.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط:

ماذا يشاهد أبناؤنا؟

وإنما أيضًا:

ماذا تفعل بهم كثرة المشاهدة؟

فالطفل الذي تتشكل قيمه لا يحتاج فقط إلى من يمنعه من المحتوى السيئ؛ يحتاج إلى أب وأم يملآن حياته بما هو أجمل منه.

نحن الذين سلمناهم الشاشات

ومن الإنصاف ألا نلوم أبناءنا وحدهم.

فالطفل لم يشترِ هاتفه الأول غالبًا.

نحن من أعطيناه إياه.

أعطيناه الهاتف حتى يهدأ.

وأثناء الطعام حتى يأكل.

وفي السيارة حتى لا يزعجنا.

وعندما نزور الناس حتى يبقى مشغولًا.

ثم تمر السنوات، ونشتكي أنه لا يستطيع الجلوس معنا عشر دقائق دون هاتف.

لقد استخدمنا الشاشة أحيانًا جليسًا إلكترونيًا لأطفالنا، ثم فوجئنا بأنها أصبحت الجليس المفضل لديهم.

وهنا تبدأ المسؤولية من الكبار قبل الصغار.

بيت واحد… وكلٌّ في عالم

لعل أكثر مشاهد عصرنا حزنًا ليس طفلًا وحيدًا أمام هاتفه، بل أسرة كاملة مجتمعة في مكان واحد، وكل فرد غائب في شاشة مختلفة.

الأب يتصفح.

والأم تتابع.

والابن يلعب.

والابنة تشاهد.

والتلفاز يعمل في الخلفية.

الجميع موجود…

ولا أحد مع أحد.

وهكذا قد نفقد أبناءنا دون سفر، ونبتعد عنهم دون أن نغادر البيت.

وقد حذرت منظمة الصحة العالمية، خصوصًا في السنوات المبكرة، من أن الوقت الخامل أمام الشاشات ينبغي ألا يحل محل الحركة والنوم والتفاعل المباشر، وهي عناصر أساسية لنمو الطفل السليم.

فالطفل لا يحتاج إلى الإنترنت وحده كي يعرف العالم.

يحتاج أن يركض.

أن يسقط ثم ينهض.

أن يلعب مع طفل آخر.

أن يملّ أحيانًا فيخترع لعبته بنفسه.

أن يجلس مع جده.

أن يسمع قصة من أبيه.

وأن يرى وجه أمه وهي تحدثه، لا وجهها مضاءً بهاتف آخر.

لكن ماذا عن الألعاب؟

ليست كل لعبة خطرًا، كما أن اللعب الإلكتروني ليس شرًا في ذاته.

بعض الألعاب تنمي التفكير والتخطيط والتعاون، وقد تكون مساحة جميلة يشارك فيها الوالدان أبناءهما.

لكن الخطر يظهر حين تصبح اللعبة الحياة الأساسية، وكل ما عداها مقاطعة مزعجة.

حين يغضب الطفل إذا أُبعد عنها.

ويهمل نومه أو دراسته أو صلاته أو أسرته من أجلها.

وينسحب من الأشياء التي كان يحبها.

فهنا ينبغي ألا نسخر منه أو نكتفي بالصراخ، بل نفهم ما يحدث ونعيد التوازن.

ومنظمة الصحة العالمية تدرج اضطراب الألعاب في التصنيف الدولي للأمراض، لكنها تؤكد أن هذا الاضطراب يصيب نسبة صغيرة ممن يمارسون الألعاب، وليس كل طفل يحب اللعب الإلكتروني مدمنًا.

وهذا التوازن مهم؛ فلا نهون من المشكلة، ولا نحول كل استخدام للشاشة إلى مرض.

لا تطلب من ابنك ما لا تفعله

وهنا يأتي السؤال الأصعب للأبوين:

كيف أقول لابني: اترك الهاتف، وهو لا يراني أترك هاتفي؟

كيف أطلب منه ألا يستخدمه على مائدة الطعام، وأنا أجيب عن الرسائل أثناء العشاء؟

كيف أعلمه أن الإنسان أهم من الشاشة، ثم أنظر إلى هاتفي بينما يحدثني؟

الأطفال لا يتعلمون من تعليماتنا فقط.

إنهم يراقبوننا.

وربما كانت أقوى وسيلة للرقابة الأبوية ليست برنامجًا نحمله على هواتفهم…

بل قدوة يرونها في هواتفنا نحن.

الحل ليس أن نحطم الشاشة

الحل ليس حربًا بين الآباء والتقنية.

فأبناؤنا سيعيشون في عالم رقمي، ومن الظلم أن نربيهم لعالم لم يعد موجودًا.

الحل أن نعلّمهم كيف يعيشون في العالم الرقمي دون أن يبتلعهم.

أن يكون في البيت وقت بلا هواتف، وخاصة أثناء الطعام واللقاءات الأسرية.

أن نعرف ما يشاهده الصغير، لا بالتجسس الدائم عليه، وإنما بالقرب منه والحوار معه.

أن نتحدث عن الخصوصية، والتنمر الإلكتروني، والغرباء، والصور، وما يبقى على الإنترنت بعد النشر.

أن نؤخر بعض الصلاحيات الرقمية حتى ينضج الطفل لها، كما لا نعطيه مفاتيح السيارة لمجرد أنه يستطيع الوصول إلى المقود.

وأن نقدم بدائل حقيقية: رياضة، وقراءة، ورحلات، ومجالس عائلية، وأصدقاء، ومسؤوليات داخل البيت.

فالفراغ الذي نأخذ منه الشاشة يجب أن نملأه بحياة.

وقاية القلب قبل رقابة الهاتف

وفي النهاية، لا توجد رقابة أبوية تستطيع أن ترافق أبناءنا إلى الأبد.

سيكبرون.

وسيخرجون.

وسيملكون أجهزتهم وحساباتهم وقراراتهم.

ولذلك فإن أعظم ما نستطيع زرعه ليس الخوف من أن يرانا الأب أو الأم، وإنما مراقبة الله في القلب.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

فالتربية ليست أن نغلق كل باب في وجه أبنائنا، فهذا قد لا نستطيعه؛ وإنما أن نبني داخلهم شيئًا يجعلهم إذا فُتح الباب يعرفون بأنفسهم متى يدخلون ومتى يبتعدون.

من يربّي مَن؟

الشاشات لن تختفي.

والألعاب لن تنتهي.

ووسائل التواصل ستزداد حضورًا وذكاءً وجاذبية.

لذلك لسنا أمام معركة نستطيع الفوز بها بالمصادرة وحدها.

إنها معركة حضور.

إذا لم يجد الطفل من يسمعه في البيت، سيجد من يسمعه خلف الشاشة.

وإذا لم يجد من يجيب عن أسئلته، سيبحث عمن يجيب عنها.

وإذا لم نصنع معه ذكريات حقيقية، فقد تصبح أجمل ذكرياته كلها رقمية.

فاجلسوا مع أبنائكم.

اسمعوهم قبل أن تفتشوا هواتفهم.

العبوا معهم قبل أن تشتكوا من ألعابهم.

حدثوهم قبل أن يحدثهم الغرباء.

وأغلقوا هواتفكم أحيانًا قبل أن تطلبوا منهم إغلاق هواتفهم.

فالمشكلة ليست أن أبناءنا يحملون العالم في أيديهم…

المشكلة أن نترك العالم يربّيهم، بينما نحن نجلس إلى جوارهم.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24