شعر و قصص

مذكرات حكواتي … حكاية أغنية ضاعت بين جيلين

بقلم: فايل المطاعني

دردشة فنية
يقول الحكواتي:
في الطرقات الطويلة تولد الحكايات، وبين المسافرين تنسج الصدف خيوطها العجيبة. وقد تجمعك رحلة قصيرة مع إنسانٍ لم تعرفه من قبل، لكنها تترك في الذاكرة حكاية تستحق أن تُروى. وهذه واحدة من تلك الحكايات التي ولدت في طريقٍ صحراوي، بين حافلةٍ تمضي نحو العمل… وأغنيةٍ جاءت من زمنٍ بعيد.
التقيتُ به صدفةً… شابًا سودانيًا في مقتبل العمر. ركب معي الحافلة متجهًا إلى مقر عمله، وكنتُ أنا أيضًا في الوجهة نفسها. كنا نعمل في الصحراء العُمانية، كلٌّ في شركته، حيث آبار النفط؛ ثروة عُمان الحديثة وذهبها الأسود.
ومن حسن الصدف التي لا تتكرر كثيرًا، جلسنا نتبادل أطراف الحديث لنمضي ما تبقّى من الطريق.
تحدثنا عن السودان، فقد مضى لي أكثر من عشرين عامًا منذ آخر زيارة لي له، ولا شك أنه تغيّر كثيرًا.
لمحت أن الأناقة السودانية المعهودة، التي طالما صاحبت الزول السوداني، لم تكن واضحة على رفيق رحلتي. ومن خلال حديثي معه علمت أنه قادم لتوّه من المطار إلى مقر عمله مباشرة، دون أن يأخذ قسطًا من الراحة. فقد توجّه فورًا إلى محطة الحافلات ليلحق بهذه الرحلة، وإلا لاضطر أن ينتظر ليلةً أخرى حتى موعد الرحلة التالية.
وكما يقول المثل:
«إذا عُرف السبب بطل العجب».
أخذنا الحديث إلى الوطن السوداني، وبما أنني غبت عنه سنوات طويلة، كان طبيعيًا أن أتساءل عن التغيرات التي طرأت عليه. فبدأت أسأله عن أخبار السودان بعد الانتفاضة والإطاحة بحكم البشير.
لكنني لاحظت أن رفيقي لا يجيب عن سؤالي، الأمر الذي جعلني أظن أنه يتجاهل حديثي. غير أنني حين أمعنت النظر، وجدته يضع سماعات هاتفه في أذنيه، ويستمع إلى أغنية سودانية.
وجدتها فرصة للحديث عن الفن السوداني، فناديته بصوت مرتفع:
يا محمد!
كان هذا اسم رفيقي، فقد أخبرني من قبل أن اسمه محمد، وهو من ولاية النيل الأبيض.
فأجاب بصوت خافت:
هل تناديني يا…؟
فقلت مبتسمًا:
نعم… اسمي فايل.
فقال وعلامات الخجل ترتسم على وجهه الأسمر:
آسف، لم أنتبه.
فقلت له:
كنت أسألك عن أحوال السودان.
ضحك محمد وقال:
دعك من أحوال السودان… فأنت متواصل مع أصدقائك السودانيين، وتعرف أخباره أكثر مني. لكن هل سمعت خبر تلك المغنية التي أهدى لها أحد المعجبين سيارة فخمة؟
فقلت بدهشة:
حقًا؟ جميل أن هناك من يقدّر الفن والفنانين! لكن هل تلك المغنية مشهورة إلى هذه الدرجة حتى تُهدى سيارة؟
فضحك محمد وقال:
يبدو أنك لست من متابعي فن القونات.
توقفت الكلمة في ذهني، وأثارت فضولي، لكنني حاولت أن أخفي حيرتي وقلت:
الحقيقة أنني لست مطّلعًا كثيرًا هذه الأيام. توقفت معرفتي عند زمن بعيد… آخر حفلة حضرتها كانت للفنان صلاح بن البادية، حين جاء إلى إحدى دول الخليج لإحياء حفلة. يومها لم أجد مقعدًا، فقد كانت المقاعد كلها محجوزة.
لكنني لم ألحظ أي أثر للإعجاب أو الدهشة على وجه محمد عندما ذكرت اسم ذلك الفنان الكبير. بل تجاوز الحديث عنه وكأنه لم يكن يومًا من رموز الفن السوداني.
واصل محمد حديثه بحماس، يخبرني عن إحدى مغنيات القونات، وأنها تبرعت بأجر حفلة كاملة لدعم الشباب.
ازداد استغرابي… فأنا أتحدث عن قامة فنية كبيرة، وهو يحدثني عن عالم مختلف تمامًا.
وحين طفح بي التساؤل، قلت له مباشرة:
هل تعرف صلاح ابن البادية؟
فأجاب ببرود:
والله… لو كان سودانيًّا لكنت عرفته!
حينها فقط أدركت أن أجيالًا سودانية كثيرة قد لا تعرف من الفن السوداني إلا ما يسمى اليوم القونات.
أرجعت مقعدي قليلًا إلى الخلف، وتركت الصحراء تمتد أمام عيني عبر زجاج الحافلة، وأخذت أردد بصوت خافت:
سال من شعرها الذهب
فتدلّى وما انسكب
كلما عبست به
نسمةٌ ماج واضطرب.
الخاتمة
وحين وصلت الحافلة إلى محطتها الأخيرة في قلب الصحراء العُمانية، نهض كلٌّ منا إلى طريقه. مضى محمد بخطوات سريعة نحو مقر عمله، بينما بقيتُ لحظةً أتأمل تلك الدردشة القصيرة التي جمعت بين غريبين على طريقٍ واحد.
حينها أدركت أن الأزمنة تتغير، وأن لكل جيلٍ أغانيه ونجومه وحكايته الخاصة مع الفن. لكن بعض الأغنيات الجميلة تبقى، مهما غاب أصحابها عن الذاكرة، تطرق أبواب القلب كلما مرّ طيفها.
ابتسمت وأنا أردد في سري تلك الكلمات القديمة… فقد تكون بعض الأغنيات قد ضاعت بين جيلين، لكنها لا تضيع أبدًا من ذاكرة الحكواتي.
معاني ومفردات
سال من شعرها الذهب – فتدلّى وما انسكب – كلما عبست به نسمة ماج واضطرب
أبيات شعرية تصف جمال الشعر ولمعانه، وكأنه ذهبٌ يسيل وينساب برفق. فإذا مرّت به نسمة خفيفة تحرك وتموّج بلطف، في صورة شاعرية تعكس جمال المرأة ورقة حضورها.
كلمات الشاعر: أبو آمنة حامد

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى