شعر و قصص

حين غادرت المسلة… وتعطّلت الساعة

بقلم ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

في عام 1831، لم تكن القاهرة مجرد مدينة شرقية على ضفاف النيل، بل كانت عاصمة مشروع طموح يقوده رجل اسمه *محمد علي باشا*، يسعى لأن يضع مصر في قلب العالم الحديث.

في تلك السنوات، كانت فرنسا شريكًا مهمًا في مشروعه العسكري والعلمي. فأراد أن يوطّد العلاقة بهدية لا تُقدَّر بثمن: إحدى مسلتي معبد الأقصر، المنقوشة باسم الفرعون العظيم *رمسيس الثاني*، والتي وقفت أكثر من ثلاثة آلاف عام شاهدة على شروق الحضارات وأفولها.

كانت المسلة تزن ما يقارب 230 طنًا من الجرانيت الوردي. نقلها لم يكن مهمة عادية، بل مشروعًا هندسيًا ضخمًا نفذته بعثة فرنسية خاصة، حتى وصلت إلى باريس عام 1833، ونُصبت رسميًا سنة 1836 في قلب *ميدان الكونكورد*، بحضور الملك *لويس فيليب الأول*.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المسلة قطعة من هوية باريس البصرية.

مرت الأعوام، وأرادت فرنسا أن ترد التحية بهدية تليق بالعصر الحديث. فأُرسلت إلى القاهرة ساعة برج ضخمة، صُنعت في باريس، لتُعلَّق في ساحة *مسجد محمد علي* داخل *قلعة صلاح الدين*.

كانت الساعة في زمانها رمزًا للتقدم الصناعي الأوروبي.
لكن المفارقة أن آليتها لم تعمل كما ينبغي منذ وصولها. تعددت الروايات:
هل تعطلت أثناء النقل؟
هل أخطئ في تركيبها؟
هل أثّر المناخ على تروسها الدقيقة؟

المؤكد أنها لم تؤدِّ الدور الذي أُرسلت من أجله.

وهنا تولد الحكاية الشعبية.

حكاية تقول إننا أهدينا حجرًا من الخلود، واستلمنا آلة من الزمن تعطلت قبل أن يبدأ زمنها.
لكن التاريخ، حين يُقرأ بهدوء، يخبرنا أن الأمر لم يكن خدعة، بل كان تعبيرًا عن زمن مختلف. زمن كانت فيه الهدايا الدبلوماسية جزءًا من لعبة النفوذ، وكانت الآثار تُمنح باعتبارها رموزًا للعلاقات، لا كنزًا قوميًا بالمعنى الحديث.

المسلة اليوم ما زالت واقفة في باريس، صامتة لكنها شامخة.
والساعة ما زالت معلقة في القلعة، صامتة هي الأخرى.

اثنان من البرونز والحجر، أحدهما يقيس المجد القديم،
والآخر يذكّرنا بأن الزمن لا يُقاس دائمًا بالدقائق… بل بالوعي.

إن وقفت يومًا في ساحة القلعة، وتأملت الساعة النحاسية، فلا تنظر إليها كقطعة معطلة.
بل انظر إليها كصفحة من تاريخ معقد،
تعلّمنا أن العلاقات بين الأمم ليست أبيض وأسود، وأن ما نراه اليوم مفارقة، كان بالأمس سياسة دولة.

إذا أحببت، أستطيع أن أكتب لك نسخة أقوى نَفَسًا، تميل أكثر إلى الطابع الخطابي الجماهيري، تصلح للإلقاء أمام جمهور وتثير فيهم الدهشة والانتباه.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى