مقالات

الغيرة المفقودة والوفاء المعدوم والمروءة الغائبة

محمود خالد المسافر

لقد مرت الأيام السبعة السابقة وكل منا يواجه حالة مختلفة. فهناك من هو بعيد جدا ولكنه مهتم جدا حدا يجعله حاضرا في الحدث. وهناك من هو قريب من الحدث ولكنه غير مهتم إلى الدرجة التي تجعله بعيدا جدا عن الحدث. والبعض تعاطف مع ايران بحجة أنها مسلمة، والبعض الآخر تعاطف مع الهجمة والعدوان الأمريكي الأسرائيلي بحجة أن الحرب أو العدوان قد يخلصنا من المشروع الإيراني الذي دمر العراق وسوريا واليمن وكان في طريقه ليدمر اجزاء أخرى من وطننا العربي الكبير. لكل حدث وموقف تفسيره، وتبدأ التفسيرات دينيا وقوميا ومذهبيا ومناطقيا وتنتهي إلى تفصيلات دقيقة احيانا، لا أستطيع أنا شخصيا أن افهمها.
ولكن الشيء الوحيد الذي أثار انتباهي ولم اقبله ابدا ولا اقبل تفسيراته هو أن يعيش الشخص في دولة عربية احتضنته واهله وأولاده لمدة طويلة، وأكمل ابناؤه تعليمهم في مدارسها وشارك أهلها رزقهم ومواردهم وادعى يوما حبه لهم وتودد إليهم، وفجأة عند اندلاع الصراع بين الاميركان وأعوانهم من جهة وبين إيران التي تركتها الصين وروسيا لوحدها في هذا الصراع، حتى ظهرت أنيابه وحقيقته ليس في تأييد هذا الطرف على ذاك، فتلك قضية ثانوية، ولكن أن يفرح بقصف ايراني يطال الأرض التي يسكنها والناس الذين شاركهم رزقهم فهذا أمر لا يقبله عاقل ولا صاحب مروءة.
في اول ايام العمليات العسكرية هبطت اضطراريا، الطائرة التي كنت على متنها والمتجهة من كوالالمبور إلى الدوحة حيث مقر عملي، في مطار مسقط العزيزة. فاستقبلني أهلها فرحين وبقيت فيها ستة أيام جميلة. وكنت اتابع الأحداث والتي تطورت إلى قصف القوات الإيرانية للأراضي والمنشٱت الحكومية والمدنية في دول الخليج العربي بحجة أن أراضيها تستضيف قواعدا اميركية، ولعلهم نسوا أن العالم كله يعرف أن محيطهم الحيوي من كل الاتجاهات مليء بالامريكان وبقواعدهم وبارجاتهم، فلماذا يركزون على دول الخليج العربي؟ الإجابة هنا طويلة ولا أريد الخوض فيها الان حتى اركز على الهدف الذي يكمن وراء هذا المقال.
ستة أيام قضيتها في مسقط وكنت التقي في السوق آلاف من هم مثلي ممن هبطت طائراتهم مضطرة في مسقط. وكانوا فرحين مرحب بهم من قبل السلطات والناس ومن بين اولئك مواطنين ايرانيين كانوا يتجولون ويضحكون ويتبضعون في كل مكان. تحركت قوى الفضول في نفسي لأسأل أحد الإيرانيين وكان مع زوجته وأولاده، متى تعتقد أن هذه الحرب ستنتهي؟ فأجابني أن شاء الله بعد أن يسقطوا النظام في إيران فنعود إلى إيران وهي خالية من الملالي!! تذكرت حينها بعض المغفلين الذين يدافعون عن هذا النظام، وايضا تذكرت كيف كان الإيرانيون يعتدون على سواح وزوار عراقيين في إيران ويخطفونهم ويعذبونهم ويطلبون فدية لتحريرهم، وبالمقابل كان بعض العراقيين يغسلون ارجل الزوار الإيرانيين ويتباركون بشرب ماء غسول ارجلهم، ولا ادري ماذا يفعلون أكثر من ذلك إرضاء للزوار الإيرانيين, ولا اريد ان اعرف. وقارنت معاملة الناس والسلطات في عُمان، وبالتأكيد في كل دول الخليج العربي، مع الإيرانيين سواء من المقيمين أو الزائرين وبين معاملة الناس والحكومة في إيران مع الزوار العراقيين، واستغربت لماذا يظل بعض العراقيين يدينون بالولاء لإيران بعد كل ذلك.
اعود الى الذين نسوا في لحظة كل منافعهم ومصالحهم ووعودهم وعهودهم وصفوا مع من يضربها جميعا. لقد تعودت بوصفي عربي أن ادعو الله لكل الاقطار العربية وشعوبها إذا ما تعرضت للخطر وانا بعيد في بلاد الغربة ماليزيا التي احتظنتني وأسرتي على مدى يزيد عن عقدين من الزمان، ولكنني دائما أشعر بأن موقفي سيزيد عن ذلك إذا كنت أعيش في واحدة من تلك الدول العربية التي تتعرض للعدوان إلى الدرجة التي سأهب للدفاع عنها، لانه انذاك لن يكون تعاطفا عربيا فقط بل سيكون دفاعا عن رزقي ومصالحي وعائلتي واولادي وتاريخي ووعودي وعهودي ومبادئي وقيمي وأخلاقي. هذا هو الطبيعي الذي تعلمناه في بيوت تربي على الوفاء والمروءة وتركز على الغيرة. ولذلك لا استطيع ان افهم كيف يستطيع بعضهم أن يبصق في الماعون الذي يأكل وأهله منه. فلا غيرة العربي منعتهم ولا قيم الإسلام استوقفتهم ولا وفاء الكلب استفزهم ولا مروءة الجاهلية هزتهم. فاذهبوا ومن تعبدون من دون الله إلى مزبلة التاريخ.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى