العالم بعد السقوط: إبستين ولحظة انكشاف التاريخ الأسود
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان - مسقط

لم يسقط رجلٌ واحد حين انهارت قصة جفري إبستين…
بل سقط معه شيءٌ أقدم وأخطر من الأسماء:
سقط الوهم.
ذلك الوهم الذي عاش العالم طويلًا في ظله،
مقتنعًا بأن العدالة تسكن حيث تلمع الأضواء،
وأن الحضارة تُقاس بارتفاع الأبراج لا بعمق الضمير،
وأن من يتحدث باسم الإنسان… لا يمكن أن يكون جلّاده في الخفاء.
لكن لحظة الحقيقة، حين جاءت،
لم تأتِ كخبرٍ في صحيفة، بل جاءت كزلزالٍ أخلاقيٍ يهزّ القشرة الرقيقة التي أخفت تحتها قرنًا كاملًا من الصمت، وكأن التاريخ نفسه قرر أخيرًا أن يفتح دفاتره السوداء أمام أعينٍ لم تكن تريد أن ترى.
فجأةً…
لم يعد السؤال: ماذا فعل إبستين؟
بل أصبح السؤال الأشد رعبًا:
كيف سُمِح لكل هذا أن يحدث في قلب العالم الذي ادّعى قيادة الضمير الإنساني؟
هناك، عند حافة هذا السؤال،
بدأ السقوط الحقيقي…
ليس سقوط الأشخاص،
بل سقوط الصورة التي صنعها البشر لأنفسهم،
حين أرادوا أن يبدوا ملائكةً وهم يخفون أجنحة الظلام.
ومن بين شقوق هذا السقوط، خرجت لحظةٌ نادرة في عمر التاريخ…
لحظةٌ ينكشف فيها المستور لا لأن الحقيقة انتصرت، بل لأن الكذب لم يعد قادرًا على الوقوف.
تلك هي اللحظة التي نقف عندها الآن:
العالم بعد السقوط…
حين يصبح الصمت شاهدًا،
والفضيحة مرآةً،
والتاريخ صفحةً سوداء تُقرأ لأول مرة بلا تزييف.
لم يكن اسم جفري إبستين مجرد خبرٍ عابرٍ في نشرات العالم،
بل كان شرخًا واسعًا في جدار الوهم الإنساني…
ذلك الوهم الذي صوّر للناس أن العدالة تسكن القصور،
وأن الديمقراطية تُصان في العواصم اللامعة،
وأن من يرفع شعارات الإنسان… هو أكثرهم إنسانية.
لكن الحقيقة، حين خرجت من الظل،
لم تخرج همسًا… بل صرخت.
صرخت لتقول إن العالم الذي ادّعى حماية الحقوق
كان يخفي في أعماقه ما هو أبشع من الجريمة نفسها،
وأن الدماء التي سالت في أماكن بعيدة
لم تكن إلا نتيجة شبكةٍ من الظلام
تعمل بصمتٍ خلف الستار.
*حين يستيقظ العالم متأخرًا*
بسبب تلك الجرائم…
لم يسقط رجلٌ واحد فقط،
بل سقطت صورةٌ كاملة.
استيقظ العالم فجأةً من غفلته،
فاكتشف أن من قدّم نفسه حارسًا للأخلاق
كان أول من ينتهكها،
وأن من بشّر بالحرية
كان يصنع القيود في الخفاء.
وهنا بدأ السؤال الأخطر يتسلّل إلى العقول:
هل ما نراه على المسرح هو الحقيقة…
أم أن اليد الحقيقية تختبئ دائمًا خلف الستار؟
كثيرون رأوا أن خلف المآسي المتكررة
عقلًا واحدًا يدير الخيوط،
ووجها لا يظهر إلا حين تكتمل الفاجعة…
وجه الصهيونية المرتبطة بدولة إسرائيل،
حيث تتقاطع السياسة بالمال…
والنفوذ بالأسرار.
*صوتٌ يُراد له أن يصمت*
وفي قلب هذا الضجيج،
بقي صوتٌ واحد يُقلق الظالمين عبر القرون:
صوت الإسلام.
ليس لأنه يملك سيفًا،
بل لأنه يملك حقيقة.
حقيقة تقول إن العدل ليس شعارًا سياسيًا،
بل ميزانٌ إلهي لا يميل.
ولهذا…
كان إسكات هذا الصوت ضرورةً لكل من بنى سلطته على الظلم،
لأن بقاءه حيًا
يعني بقاء السؤال حيًا:
من يملك الحق… ومن يصادره؟
*عالمٌ تحكمه الخيوط الخفية*
يرى كثيرون أن النفوذ الصهيوني
لم يتوقف عند حدود الجغرافيا،
بل امتد ليؤثر في قرارات دولٍ كبرى،
حتى غدا الخارج عن هذا المسار
مهددًا بالعزل… أو السقوط… أو النهاية.
يتذكّر الناس أسماءً واجهت المصير ذاته:
صدام حسين،
معمر القذافي،
وغيرهم ممن حاولوا الوقوف في وجه التيار الجارف.
وتبقى المخاوف معلّقةً بالمستقبل،
كأن التاريخ لم يغلق صفحته بعد.
*الجزيرة التي كشفت العتمة من قلب الظلامِ*
أما ما كُشف في تلك الجزيرة المعزولة،
فلم يكن فضيحة أخلاقية فحسب،
بل بدا عند كثيرين دليلًا على انحدارٍ روحي عميق،
حيث تختلط السلطة بطقوسٍ مظلمة،
ويُستدعى الشيطان رمزًا
لعالمٍ فقد بوصلته.
هناك…
لم تسقط الأخلاق وحدها،
بل سقط الادّعاء كله.
*أوروبا… اعتدالٌ بلا قدرة*
حتى أوروبا،
باعتدالها الحذر،
بدت عاجزةً عن مواجهة مركز القوة،
كأن الأخلاق التي تُرفع في البيانات
تتراجع حين يُذكر اسم إسرائيل.
فتتحول المبادئ إلى عباراتٍ دبلوماسية،
وتبقى الحقيقة معلّقةً بلا صوت.
*الخاتمة… حين يتحول الألم إلى سؤال*
ليست قصة إبستين قصة رجل،
بل قصة عصرٍ كاملٍ يقف أمام مرآته لأول مرة.
عصرٍ يكتشف أن القوة بلا عدلٍ سقوط،
وأن الظلم… مهما طال…
يترك خلفه أثرًا يقود إلى نهايته.
ويبقى السؤال مفتوحًا في ضمير العالم:
هل كانت تلك الفضيحة نقمةً على الظالمين؟
أم لحظةً أيقظت القلوب لتبحث عن الحق من جديد؟
هناك فقط…
حين يعود الميزان مستقيمًا،
يمكن للتاريخ أن يبدأ صفحةً أقل ظلامًا.



