مقالات

من يدير العالم… حقاً؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي / كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

في زمنٍ تتشابك فيه المصالح، وتتعاظم فيه قوة المال، لم يعد السؤال البسيط: “من يحكم العالم؟” سؤالاً خيالياً أو فلسفياً، بل أصبح مدخلاً لفهم شبكة معقدة من النفوذ الاقتصادي الذي يتجاوز الحدود والدول.

بعيداً عن نظريات المؤامرة، يبرز اسم BlackRock كأحد أعمدة هذا النفوذ. شركة استثمارية تأسست عام 1988 في نيويورك على يد المستثمر الأمريكي Larry Fink، لتتحول خلال عقود قليلة إلى أكبر مدير أصول في العالم، حيث تدير ما يقارب 10 تريليونات دولار من أموال المستثمرين حول العالم.

لكن ماذا يعني “إدارة الأصول”؟
ببساطة، هذه الأموال لا تملكها الشركة، بل تديرها نيابة عن عملائها: صناديق تقاعد، حكومات، مؤسسات، وأفراد. ومع ذلك، فإن حجم هذه الاستثمارات يمنحها نفوذاً واسعاً داخل كبرى الشركات العالمية.

فحين تنظر إلى عمالقة التكنولوجيا مثل Apple وMicrosoft، أو شركات الصناعات الدفاعية مثل Lockheed Martin، ستجد أن بلاك روك من بين أكبر المستثمرين فيها. وهذا لا يعني أنها تدير هذه الشركات، لكنها تمتلك حصصاً تمنحها صوتاً مؤثراً في قراراتها الاستراتيجية.

وليس هذا فقط، فهناك أيضاً منافسها القوي Vanguard Group، الذي يدير بدوره تريليونات الدولارات، ويُعد أحد أكبر المستثمرين في نفس الشركات تقريباً. المثير أن هاتين الشركتين، إلى جانب مؤسسات مالية أخرى، تشكل ما يشبه “العمود الفقري” للنظام المالي العالمي.

هنا تتضح الصورة:
العالم لا يُحكم من جهة واحدة، ولا عبر غرفة مظلمة تُدار منها الخيوط، بل من خلال شبكة معقدة من المؤسسات المالية الكبرى التي تمتلك حصصاً متداخلة في آلاف الشركات، مما يمنحها تأثيراً واسعاً – لكنه ليس مطلقاً.

في أوقات الأزمات، يتجلى هذا التأثير بشكل أوضح. فحين تهتز الأسواق، أو تواجه الدول تحديات اقتصادية، تلعب هذه المؤسسات دوراً محورياً في إعادة التوازن، سواء عبر الاستثمار أو تقديم الاستشارات أو إدارة المخاطر. وهذا ما يجعلها شريكاً أساسياً في الاقتصاد العالمي، لا حاكماً له.

ومع ذلك، يبقى السؤال المشروع:
هل هذا التركّز الهائل للثروة والنفوذ في يد عدد محدود من المؤسسات أمر صحي؟

يرى بعض الخبراء أن هذا التركّز قد يمنح استقراراً للأسواق، بينما يحذر آخرون من أنه قد يقلل من المنافسة ويزيد من فجوة الثروة عالمياً. وبين هذا وذاك، تظل الحقيقة أن العالم اليوم تحكمه المصالح الاقتصادية بقدر ما تحكمه السياسة – وربما أكثر.

في النهاية، لا توجد جهة واحدة “تحكم العالم”، لكن هناك قوى مالية كبرى تؤثر فيه بشكل عميق. وفهم هذه القوى لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة لكل من يسعى لقراءة الواقع بعينٍ واعية، بعيداً عن التضليل، وقريباً من الحقيقة.

*العالم لا يُدار من الظل… بل من الأسواق.*

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى