ترانيم الفناء: حين قايضت الإمبراطورية الشاي بالسم
بقلم ناصر بن محمد الحارثي/كاتب من سلطنة عُمان-مسقط

في القرن التاسع عشر، وبينما كان ضباب لندن يلف قصور الحكم، كانت شمس الهند تشرق على حقول شاسعة من “خشخاش الأفيون”. لم تكن تلك الزهور الملونة سوى سلاح صامت أعدته شركة الهند الشرقية البريطانية؛ ففي عام ١٨٠٠م وما تلاه، استُبدلت سنابل القمح ببراعم الموت على مساحة مئة ألف فدان، ليُحرم الفلاح الهندي من رغيفه ويُمنح بدلاً منه عبء زراعة “الذهب الأسود”.
كانت بريطانيا، في أوج كبريائها، قد سقطت في غرام الشاي الصيني والحرير والبورسلين، لكن أباطرة الصين في “بكين” لم يغرهم نتاج المصانع الإنجليزية، فكانوا لا يقبلون ثمناً لبضائعهم إلا الفضة الخالصة. ولأن خزائن الإمبراطورية البريطانية بدأت تنزف فضتها، وُلدت الخطة الشيطانية: “تخدير التنين الصيني لاسترداد الفضة”.
*حرب الأفيون الأولى (١٨٣٩م – ١٨٤٢م)*
بدأت السفن المسلحة تمخر عباب البحار، محملة بآلاف الصناديق من الأفيون المهرب، لتغرق الأسواق الصينية بسمٍّ أذهب عقول الملايين واستنزف ثرواتهم. وحين استيقظ الضمير الصيني وقام المسؤولون بإحراق أطنان من الأفيون في عام ١٨٣٩م، لم تعتذر بريطانيا، بل أرسلت أسطولها الحربي ليحطم أسوار الصين. انتهت هذه المواجهة بمعاهدة “نانجينغ” عام ١٨٤٢م، التي كانت بمثابة طعنة في قلب السيادة الصينية، حيث فُتحت الموانئ بالقوة، وانتُزعت “هونج كونج” لتصبح درعاً للاستعمار.
*حرب الأفيون الثانية (١٨٥٦م – ١٨٦٠م)*
لم يكتفِ الجشع البريطاني بذلك، بل شنت حرباً ثانية عام ١٨٥٦م، انتهت بإجبار الصين على تقنين الأفيون وجعله تجارة مشروعة في عام ١٨٦٠م. وهكذا، أصبحت الملكة فيكتوريا، في نظر التاريخ الجدلي، حامية لتجارةٍ أهلكت شعوباً بأكملها من أجل توازن الميزان التجاري.
كما سماها البعض أكبر ملكة مخدرات في تاريخها.
*نهاية عصر السموم في القرن العشرين*
لم تنتهِ هذه المأساة بقرار مفاجئ، بل كانت مخاضاً طويلاً من الضغوط الدولية والصحوة الأخلاقية:
* اتفاقية عام ١٩٠٧م: مع مطلع القرن العشرين، بدأ الضغط الشعبي والديني داخل بريطانيا والصين يتصاعد ضد “تجارة العار”. وقعت بريطانيا اتفاقاً مع الصين لخفض تصدير الأفيون الهندي تدريجياً بنسبة 10% سنوياً، شريطة أن تنجح الصين في تقليص زراعتها المحلية للأفيون.
* مؤتمر شنغهاي للأفيون (١٩٠٩م): كان أول مؤتمر دولي لمكافحة المخدرات، حيث اجتمعت القوى العظمى وبدأت في وضع أسس قانونية لمحاربة تهريب المواد المخدرة.
* الحرب العالمية الأولى والتحولات السياسية: أدت الحرب العالمية الأولى إلى انهيار طرق التجارة القديمة، وبحلول عام ١٩١٧م، أعلنت الهند البريطانية توقفها التام عن تصدير الأفيون إلى الصين.
* النهاية الحاسمة (١٩٤٩م): بعد عقود من الفوضى، جاء “ماو تسي تونغ” والحزب الشيوعي إلى السلطة في الصين، واتخذوا إجراءات صارمة وقاسية لاجتثاث زراعة وتعاطي الأفيون نهائياً، مما أغلق الستار على قرن ونصف من الإدمان الذي فرضته السياسة.


