سنودن: الهارب من الجنة.. إلى الجحيم البارد
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي/كاتب من سلطنة عُمان مسقط

تحت شمس هاواي الدافئة، كان إدوارد سنودن الشاب اليافعي يمتلك كل شيء: وظيفة الأحلام، والمنزل الذي يطل على الأفق، والمرأة التي يحب. كان يعيش في “جنة” حقيقية، لكن خلف تلك الواجهة الهادئة، كان يرتدي قناع الموظف المطيع بينما يغلي ضميره من الداخل.
لم يكن هروبه مجرد سفر من قارة إلى أخرى، بل كان اختياراً واعياً بترك الدفء والأمان، ليلقي بنفسه في “جحيم بارد”؛ ليس فقط برودة ثلوج موسكو التي استقبلته كلاجئ، بل برودة العزلة، وفقدان الوطن، وملاحقة أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم.
لقد خلع قناع الصمت ليمنحنا الحقيقة، وكان الثمن هو أن يقضي ما تبقى من عمره يراقب العالم من خلف نافذة يكسوها الجليد.
*إدوارد سنودن*
يعتبر هذا الرجل أكبر خائن في التاريخ بالنسبة للولايات المتحدة، لكن بالنسبة لملايين الأشخاص هو بطل. موظف الـ “سي آي إيه” (CIA) الذي دمر حياته ليحمي خصوصيتنا.
*البداية والحلم العسكري*
نحن في عام 2004، في فورت بينينج، جورجيا. إدوارد سنودن، شاب يبلغ من العمر 20 عاماً، يؤمن بحكومته إيماناً أعمى، وتأثر بأحداث 11 سبتمبر. كان حلمه أن يصبح جندياً في القوات الخاصة لتحرير المظلومين في العراق، لكن القدر كان قاسياً.
خلال التدريب الأساسي، كُسرت ساقاه في حادث وتم إعفاؤه من الخدمة العسكرية. شعر أنه خذل وطنه، فقرر أن يخدم بعقله بدل جسده، وانضم إلى الـ “سي آي إيه” كخبير في الأمن.
*العبقرية والصعود*
كان عبقرياً؛ في اختبار القبول المصمم ليستمر 5 ساعات، أنهى سنودن الاختبار في 38 دقيقة فقط. رأى رؤساؤه موهبة لا حدود لها، ومنحوه تصريح أعلى مستوى سرّي “Top Secret”. نام سنودن مطمئناً، مقتنعاً بأن السلطة تُستخدم فقط ضد الأشرار.
*الصدمة والحقيقة*
بعد سنوات، في 2013، كان يعمل في “إن إس إيه” (NSA) في هاواي؛ وكالة الأمن القومي. كان يعيش الحياة التي حلم بها في الجنة، ويشارك المنزل مع صديقته، لكن أمام شاشته تحطمت الحقيقة.
اكتشف من خلال عمله أن الـ “NSA” لا تحتاج إلى أوامر قضائية للتجسس. إذا كانوا يمتلكون بريدك الإلكتروني، يمكنهم قراءة محادثاتك، صورك الخاصة، وحتى تشغيل كاميرا اللابتوب عن بُعد. والأسوأ من ذلك، الثقافة الداخلية في الوكالة؛ حيث رأى برعب كيف يستخدم زملاؤه النظام للتجسس على شركائهم السابقين، فيما أطلق عليه في المكتب بسخرية “LoveINT” (أي ذكاء الحب).
*قرار المواجهة*
لم يستطع ضمير سنودن أن يعيش هادئاً، فقرر أن العالم يجب أن يعرف الحقيقة. لسنوات، نسخ آلاف الوثائق السرية على بطاقات “Micro SD” ليخرجها من قاعدة الأمن الأعلى، مخبئاً إياها داخل مكعب “روبيك” كان يحمله دائماً في يده.
في مايو، قبّل صديقته “ليندسي” وأخبرها أنه في رحلة عمل دون أن يكشف الحقيقة لحمايتها. سافر بمفرده إلى هونج كونج، وأقفل على نفسه في الفندق ودعا الصحفيين “غلين غرينوالد” و”لورا بويتراس”. أمرهم بوضع هواتفهم في ثلاجة الميني بار لمنع أي تنصت عن بُعد.
*النهاية والمنفى*
ارتجف من الخوف لكنه كشف كل شيء. العالم كله اكتشف الحقيقة: الحكومة كانت تتجسس على كل السكان. كان يعلم أن الـ “سي آي إيه” ستلاحقه. في 9 يونيو، كشف عن هويته. أعلنت الولايات المتحدة أنه عدو عام وألغت جواز سفره.
أثناء هروبه، بقي عبقري الـ “سي آي إيه” عالقاً في منطقة الترانزيت في مطار شيريميتييفو بموسكو. قضى 39 يوماً في المحطة، ينام على الأرض بلا وطن، تحت مراقبة العالم كله. وبالمفارقة، روسيا كانت الدولة الوحيدة التي عرضت عليه اللجوء.
“لا أريد أن أعيش في عالم يُسجل فيه كل ما أفعله.. هذه ليست حياة.”
ضحى سنودن بمستقبله ليظهر لنا أن الخصوصية قد ماتت. اليوم نعلم أن الجاسوس الحقيقي لا يرتدي معطفاً، بل هو في جيبنا، ونحن نعطيه الإذن كل يوم.


