
الإشتياق هو ذلك الملف المشترك بين جميع البشر ، ويصيب لبّ الشعور دون التفات وتكمن قوته في تساؤلاته لا في إجاباته، وفي أنه لا يحدد شخصًا بعينه، بل يفتح الإشتياق كملف إنساني مشترك. وكقطعة وجدانية قد تحمل دموعك .لذلك ربما نتسأل لمن تشتاق بعد أن مضيت بمشاعرك في دوامات الحياة.
ربما إلى من نشتاق فعلًا لهم بقدر فراقهم لنا؟أو هل نحن نشتاق إلى أولئك الذين غادرونا سريعًا دون موعد، أم إلى من تردد ثم رحل، أو الذين سعوا لبقائنا معهم، وتعبوا من ذلك، ثم رحلوا؟ أم يتملكنا الشعور الطاغي للشوق المبتور الذي اقتطع جزءًا كبيرًا من مشاعرنا وأحاسيسنا، وظل يرافقنا مع الأيام والسنين.
نشتاق للحب الماضي فينا، ذاك الذي ظننا أننا نسيناه وتجاوزناه، لكنه ما زال يسكن تلك الحجرة الصغيرة المغلقة بالقوة الجبرية داخلنا، نعود لفتحها متى ما اشتقنا. أو أن هناك رياحًا عاتية للاشتياق تجتاح صدورنا حين هبوب الشوق بسبب أغنية مهداه، أو طريق طويل قضيت فيه أوقات ممتعة طُبعت في ذاكرتك، فتعود مستيقظة برياح الشوق والوله.
نشتاق أحيانًا لنسخنا القديمة، لضحكتنا قبل الخيبة، ولأحاديث لم تكن تحتاج حذرًا، نشتاق لشعور الطمأنينة لا للأشخاص وحدهم، وللحظات التي شعرنا فيها أننا مكتملون دون خوف من الفقد. فالاشتياق ليس دائمًا حنينًا لمن رحل، بل هو توق لما كنا عليه حين كانوا معنا، ولجزء منّا غادر بصحبتهم وبقي معلقًا في منتصف الذاكرة، لا يشيخ ولا ينسى.


