لماذا غرينلاند ؟ (( الاهمية الجيوسياسية والاقتصادية لجزيرة غرينلاند في الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة ))
أ. د. محمد طاقة

أعاد صعود دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي ، احياء نقاش قديم جديد حول طبيعة الاستراتيجية الامريكية في النظام الدولي ، وحدود استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لتحقيق الهيمنة . ومن بين اكثر القضايا التي اثارت الجدل عالمياً ، مطالبة الرئيس الاميركي بالسيطرة على جزيرة غرينلاند ، سواءً عبر الشراء أو التفاوض أو حتى التلويح باستخدام القوة . هذه المقالة تسعى إلى تحليل الاهمية الجيوسياسية والاقتصادية لغرينلاند ، وبيان اسباب الاهتمام الأمريكي المتزايد بها ، في سياق الصراع الدولي المحتدم بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة اخرى .
وصل دونالد ترامب الى رئاسة الولايات المتحدة الاميركية بدعم واسع من القوى الرأسمالية الكبرى ، التي تلعب دوراً حاسماً في توجيه السياسة الأمريكية . وقد جرى تقديمه بوصفه رجل أعمال قادراً على معالجة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي وفي مقدمتها ، ارتفاع الدين العام الذي تجاوز نحو (37) ترليون دولار ، وتراجع فرص العمل في بعض القطاعات الصناعية ، وكذلك مشكلة التضخم واتساع العجز في الميزان التجاري .
انطلقت استراتيجية ترامب من مبدأ صريح يمكن تلخيصه بشعاره غير المعلن (( ما لايؤخذ بالسلام يؤخذ بالقوة )) ، وهذا مبدأ ينسجم تاريخياً مع سلوك الرأسمالية العالمية في سعيها للهيمنة على الموارد والأسواق .
وفي هذا السياق ، اعتمدت الإدارة الأميركية سياسات حمائية ، وفرضت رسوماً جمركية ، واعادت تنظيم العلاقات التجارية الدولية بما يخدم المصالح الأميركية، بالتوازي مع السعي للهيمنة على منابع الطاقة الرئيسية في العالم ، ولا سيما في العراق وفنزويلا وايران والسعودية ، وهي دول تمتلك مجتمعة نحو (54%) من الاحتياطي النفطي العالمي . كما طالبت واشنطن بالسيطرة على ممرات استراتيجية كقناة بنما ، وشرعت في تقليص ما اعتبرته إنفاقاً غير ضروري اثقل كاهل الاقتصاد الأميركي.
الهدف المركزي لهذه الاستراتيجية كان ولا يزال احتواء صعود الصين ومنع تشكل نظام دولي متوازن أو متعدد الأقطاب يحد من التفوق الأمريكي .
اذن لماذا غرينلاند ؟
تُعد غرينلاند اكبر جزيرة في العالم ، إذ تبلغ مساحتها نحو (2،17 ) مليون كيلو متر مربع ، ويغطي الجليد قرابة (80%) من مساحتها .
تقع الجزيرة بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي ، شمال شرق كندا ، وتُعد جغرافياً جزءاً من قارة أمريكا الشمالية ، ولكنها ترتبط سباسياً بأوربا من خلال تبعيتها لمملكة الدنمارك ، مع تمتعها بحكم ذاتي واسع. يبلغ عدد سكانها نحو (57)الف نسمة فقط ، ما يجعلها من اقل مناطق العالم كثافة سكانية ، ويتمركز معظم سكانها على الساحل الجنوبي الغربي من الجزيرة .
تحتل غرينلاند موقعاً استراتيجياً بالغ الاهمية ، خصوصاً في ظل التحولات السياسية في منطقة القطب الشمالي ، ويمكن تلخيص هذه الاهمية في التحكم بالقطب الشمالي ، حيث تشكل الجزيرة قاعدة متقدمة للمراقبة الجوية والبحرية وتمنح الولايات المتحدة الأمريكية قدرة رصد التحركات الروسية الصينية في القطب الشمالي ،فضلاً عن وجود ممرات بحرية جديدة ، بسبب ذوبان الجليد نتيجة التغيير المناخي ، برزت ممرات بحرية جديدة تقلص زمن الشحن بين اسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية بنحو (20) يوماً مقارنة بالممرات التقليدية . كما تُعد غرين لاند موقعاً مثالياً لإنشاء قواعد إنذار مبكر ومنصات دفاع صاروخي ، ما يعزز التفوق العسكري الأمريكي .
تكمن الاهمية الاقتصادية الكبرى لغرينلاند في ثرواتها الطبيعية ولاسيما المعادن النادرة
التي تمثل العمود الفقري للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة ، تشير دراسة حديثة في عام (2023) إلى أن غرينلاند تحتوي على (25 ) معدناً من اصل (34) معدناً نادراً تُعد ضرورية للصناعات التقنية عالمياً ومن ابرز هذه المعادن النيوبيوم (Niobium)
والتنتالوم ( Tantalum) وهما يدخلان مباشرة في صناعة الرقائق الإلكترونية والمكثفات المستخدمة في الهواتف الذكية والحواسيب ، والطائرات العسكرية . وكذلك الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة وهي اساسية في صناعة البطاريات للسيارات الكهربائية. والحديد والرصاص والزنك وهذه المعادن تدخل في الصناعات الثقيلة والعسكرية ، والذهب والألماس والبلاتين ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية عالية . واليورانيوم وهو عنصر حاسم في الصناعات النووية والطاقة .
تُقدر الكميات المحتملة لهذه المعادن ما بين (36-42) مليون طن ، وفي حالة استغلالها تجارياً ، يمكن ان تحقق عائدات سنوية تتراوح بين (6-7) مليارات دولار ، كما تحتوي الجزيرة على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز (( حيث تقدر بعض الدراسات الجيولوجية ان الجزيرة تحتوي على حوالي (18) مليار برميل من النفط غير المكتشف تقنياً وإمكانية وجود حوالي (148) ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي )) إلا ان استخراجها لا يزال محظوراً لأسباب بيئية.
وتزداد اهمية هذه الثروات إذا علمنا ان الصين تهيمن حالياً على نحو (70%) من انتاج وتكرير المعادن النادرة عالمياً ، بما في ذلك تلك المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية، وهو ما تسعى الولايات المتحدة إلى كسره عبر البحث عن بدائل استراتيجية وفي مقدمتها غرينلاند .
إن الاهتمام الأمريكي المتزايد لغرينلاند لا يمكن فصله عن الصراع الاقتصادي والتجاري العالمي ، الذي يتخذ طابعاً استراتيجياً بعيد المدى ، فواشنطن تسعى من خلال السيطرة على الجزيرة إلى تعزيز استقلالها في سلاسل التوريد التكنولوجية وتقليص الاعتماد على الصين في المعادن النادرة والعمل على تطويق النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي ، واحكام السيطرة على الممرات البحرية الحيوية .
يتضح مما سبق ان جزيرة غرينلاند ليست مجرد رقعة جغرافية نائية ، بل تمثل احد مفاتيح الصراع الجيوسياسي والاقتصادي العالمي في القرن الحادي والعشرين . فالأهمية الاستراتيجية لموقعها ، إلى جانب ثرواتها الهائلة من المعادن النادرة ، تجعلها محور تنافس بين القوى الكبرى ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
ان الصراع الدائر اليوم هو في جوهره صراع اقتصادي تجاري ، لكن خطر تحوله إلى صراع عسكري شامل يظل قائما ً، وهو ما يهدد البشرية جمعاء . ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى نظام دولي جديد متعدد الأقطاب ، يقوم على العدالة واحترام سيادة الدول ، وتوزيع اكثر إنصافاً للثروات ، بعيداً عن منطق الهيمنة وفرض الإرادات بالقوة .
عمان
14/2/2026



