المعروف لا يضيع…
عندما ينهار كلُّ شيءٍ أمامك في لحظةٍ لم تكن تتوقّعها،
ولم تستعدّ لتلك الخطوة التي قد تخسر من خلالها نفسك،
وتفقد ثقتك بذاتك،
يهتزّ داخلك كلُّ شيء…
اهتزازٌ يشبه بركانًا ثائرًا يحاصرك من جميع الجهات،
وكأنك تقف على منحدرٍ حادّ،
لا مساحة فيه للأمان.
شيئًا فشيئًا، يقترب ذلك البركان،
يكاد يبلغ أطراف المنحدر،
وأنت تقاوم بشدّة،
لا تعلم ما الذي ينتظرك في نهاية ذلك المكان.
يصبح كلّ شيءٍ حولك حصارًا،
كأنك في دوّامةٍ لا نهاية لها…
ثم، وبعد زمنٍ يسير،
تبدأ تلك الحمم في التلاشي،
وكأنها تتراجع من حيث أتت،
تخلّف خلفها شقوقًا في الجبال…
وشقوقًا أعمق في داخلك.
هناك سؤالٌ دائمًا ما يجول في الذاكرة،
أردّده بيني وبين نفسي:
المعروف لا يضيع، مهما طال به الزمن.
فدعاءٌ صادق من إنسانٍ أسديتَ له معروفًا،
قد يكون رفيقك في لحظةٍ
أنت في أمسّ الحاجة إليها.
أيقنتُ أخيرًا أن الإنسان،
مهما صدقت نواياه،
لا بدّ أن يجد من يشكّك في قصده،
أو يسيء فهمه؛
فليس كلُّ قلبٍ قادرًا على قراءة النيّات،
وليس كلُّ عقلٍ منصفًا في الحكم.
ومن هذا كلّه، أجد أن معروفًا صنعته في إنسانٍ لا تعرفه،
يبقى لك ظلًّا تستظلّ به
وأنت محاطٌ بقسوة الأيام وتقلبات البشر.
يبقى لك دفئًا حين يبرد العالم من حولك،
ويدًا تمتدّ إليك
حين تنقطع الأيادي من حولك.
نعم… هكذا هو المعروف.
لكن…
هل الجميع يذكر المعروف؟
البعض، مهما قُدّمت لهم من تضحيات،
ينكرون كلّ شيء،
يتجاهلون، وكأن شيئًا لم يكن.
جحدوا المعروف،
وتواروا خلف أقنعة الظروف.
لكن أثر المعروف لا يضيع،
فهو محفوظٌ في ميزان عدل الله.
البعض يتذكّر الألم،
ولا يتذكّر اليد التي امتدّت لتخفّف ذلك الألم.
وتلك — للأسف — حقيقة بعض البشر.
لا تُعرَف معادن الناس
إلّا في المواقف،
فهي وحدها الكفيلة بكشف حقيقة كلّ إنسانٍ حولك.
ويبقى لك…
معروفٌ صنعته لإنسان،
ملاذًا حين تضيق بك السبل،
وتخذلك الوجوه،
فيكون جزاؤه طمأنينةً
لا يمنحها
إلّا الخير الصادق.


