
في ظهيرة قائظة من ظهيرات مكة، حين كانت الشمس تصهر الحجر وتلهب الهواء، كان المهندس محمد كمال إسماعيل يقف في صحن الحرم، يتأمل الأرض البيضاء تحت قدميه.
سأل نفسه بدهشة حائرة:
كيف تبقى هذه الأرض باردة، كأنها لا تعرف القيظ؟
لتريح أقدام الطائفين من الحجاج والمعتمرين.
كان يفكر في حلول هندسية معقّدة؛ أنابيب تبريد، أنظمة تحت الأرض… ثم قاده البحث إلى ما لم يكن في الحسبان:
رخام نادر، أبيض نقي، يعكس الشمس بدل أن يبتلعها، لا يسخن مهما اشتد الحر.
رخام لا يوجد – كما قيل له – إلا في جبال جزيرة يونانية بعيدة.
سافر إلى اليونان…
ليس بدافع التجارة، بل بدافع الأمانة، بحثًا عن هذا الجبل.
وعندما التقى بمدير الشركة، ووقّع العقد، واشترى كمية هائلة من الرخام، شعر في داخله أن الأمر أكبر من مجرد صفقة؛ إنها راحة للمُحرمين.
نُقلت الأحجار، وامتدت في أرض الحرم المكي، وكأنها خُلقت لتُفرش هناك منذ الأزل.
ومضت الأعوام…
خمسة عشر عامًا كاملة.
ثم جاء الطلب الذي أوقف قلبه.
من الملك نفسه، وأمير مكة المكرمة:
الحرم النبوي… يريد الرخام ذاته.
تجمّد الدم في عروقه.
قال في نفسه: من أين؟
لقد أخذ نصف الكمية العالمية بنفسه، والنصف الآخر لا بد أنه تفرّق، استُخدم، ضاع.
سافر مرة أخرى إلى اليونان، لكن هذه المرة لم يكن في قلبه يقين، بل خوف.
وعندما أخبره رئيس الشركة أن الكمية المتبقية بيعت منذ سنوات طويلة، وأن الجبل لم يعد له وجود. انطفأ شيء في داخله.
خرج دون أن يُكمل قهوته، حزينًا، منكسرًا، كمن فشل في أداء أمانة عظيمة.
وقبل سفره بساعات…
رن الهاتف.
صوت السكرتيرة من الشركة اليونانية كان مختلفًا:
وجدنا المشتري من بين الملفات القديمة.
ذهب… لا يعرف لماذا، ولا ماذا سيفعل بعنوان قديم.
لكن ما إن قرأ أسم المشترى حتى خفق قلبه بقوة:
شركة سعودية كانت قد اشترت الرخام المتبقي كله.
عاد مسرعًا، ومن المطار إلى مقر الشركة.
سأل المدير:
– ماذا فعلتم برخام أبيض يوناني اشتريتموه منذ خمسة عشر عاماً؟
بحثوا في المخازن…
ثم جاء الجواب الذي هزّ روحه:
الكمية كاملة، ولا تزال في مكانها منذ خمسة عشر عامًا… كما هي. لم تُمس.
انفجر المهندس بالبكاء.
بكى كما لم يبكِ في حياته.
وحين عرض شيكًا على بياض، قال الرجل السعودي كلمات لا تُنسى:
إن كان هذا للحرم النبوي، فوالله لا نأخذ عليه ريالًا واحدًا.
في تلك اللحظة، لم يكن الرخام حجرًا…
كان شاهدًا.
وكأن الله – جلّ في علاه –
أخفى جبلًا كاملًا في أرض بعيدة،
وحفظه من أن يُستنزف،
وألهم من يشتريه أن ينساه في المخازن،
حتى تأتي ساعته…
في مكة أولًا، ثم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكأن هذا الجبل لم يُخلق لقصور ولا لميادين،
بل خُلق ليسجد الناس فوقه.
فسبحان من إذا أراد شيئًا،
هيّأ له أسبابه قبل أن يولد البشر بقرون.



