مقالات

إيران… بين أوراق القوة الحقيقية وأوهام النفوذ البعيد *احتياطي الكاريبي نموذجاً *

ضياء الصفار ..

منذ عقد الثمانينات، اتجهت إيران إلى بناء أحد أكثر مشاريعها الهادئة تأثيراً: شبكات حضور اجتماعي ،ديني ، اقتصادي خارج الشرق الأوسط، مستندة إلى الجاليات اللبنانية ذات الخلفية الإسلامية، المنتشرة بكثافة في أميركا اللاتينية وأفريقيا.هذا التوجه لم يكن حركة تبشيرية أو نشاطاً دينياً صرفاً، بل كان جزءاً من منظور إستراتيجي عميق يقوم على تحويل الهوية إلى طاقة، والاغتراب إلى مساحة نفوذ، والمهاجرين إلى عقد اتصال تمدّ إيران بخيوط القوة الناعمة .
لا حاجة لكثير من الذكاء لفهم أن إيران لم تعد تراهن على الشرق الأوسط وحده. فالجبهة التي بنتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، رغم اتساعها، باتت مكشوفة ومستهلكة لاسيما بعد خسارتها في كل من سوريا ولبنان،والضغط الأميركي ـ الإسرائيلي عليها هناك أثقل من أن يسمح لها بالمناورة المفتوحة. لذلك ذهبت طهران إلى أبعد نقطة يمكن أن تخطر على بال خصومها (إلى الخاصرة اللاتينية للولايات المتحدة… إلى الكاريبي تحديداً ) . هناك، حيث لا يتوقع أحد حرباً ولا صراع نفوذ، فقد بنت إيران خلال أربعة عقود أكبر شبكة نفوذ خارجي لها، شبكة لا تعتمد على الصواريخ ولا الميليشيات، بل على المال والهوية والولاء والتداخل الاجتماعي .
في اللحظةٍ التي يغلي فيها الإقليم تحت ضغط المواجهات وتحوّلات موازين القوة، تحاول إيران استعراضياً أن تُشيّد حول نفسها صورة “القوة العابرة للقارات”؛ قوة قادرة كما تدّعي على نقل الصراع من الشرق الأوسط إلى شواطئ الكاريبي، وإرباك واشنطن في عقر نفوذها التاريخي. غير أنّ هذه الصورة، التي تُغذّيها الدعاية الإيرانية ويُضخّمها بعض المبالغين في تقدير قدراتها، تحتاج إلى تفكيك دقيق يضع الأمور في نصابها ، ماذا تملك إيران فعلاً؟ وما الذي تُصوّره على أنه قوة وهو في الحقيقة استثمار في فراغات، لا في مرتكزات صلبة؟
فالقضية لم تعد سؤالاً عن قدرة إيران على “مشاغلة” واشنطن، بل عن مدى واقعية هذه القدرة، وعن حقيقة اعتماد طهران على ما تسميه “الاحتياطي الخفي” في أمريكا اللاتينية، وفي مقدمته حضور الجاليات ذات الأصول اللبنانية، خصوصاً من أبناء الجنوب. وهنا يجب وضع حدود واضحة مفادها أن جاليات الكاريبي وأمريكا اللاتينية، على تنوعها وثرائها ودورها الاقتصادي، ليست ذراعاً لأي مشروع خارجي، وليست كتلة وظيفية يمكن لطهران أو غيرها أن تستخدمها كمخزن نفوذ أو ورقة مواجهة. ومع ذلك، تصرّ إيران على التلويح بهذه المساحات كأنها امتداد طبيعي لنفوذها ، وهذا ما يستدعي قراءة نقدية حقيقية وتحليلية وكما يلي:

1- إيران وصناعة الوهم الجيوسياسي ..
تتصرّف طهران منذ سنوات وفق قاعدة بسيطة هي
(كلما اشتدّ الضغط عليها في الشرق الأوسط، رفعت منسوب الادعاء بقدرتها على فتح جبهات بعيدة تؤلم واشنطن).لكن الحقيقة مختلفة تماماً ، فإيران لا تمتلك بنى عسكرية أو تنظيمية راسخة في أمريكا اللاتينية.كما
أن وجودها هناك يعتمد على تحالفات سياسية متقلبة مع أنظمة تغيّرها صناديق الاقتراع أو الضغوط الاقتصادية. وأدواتها لا تتجاوز الدبلوماسية الثقيلة، الأنشطة التجارية، وبعض العلاقات الأيديولوجية الهشة. وما تصفه بأنها “نقاط ارتكاز” في فنزويلا أو نيكاراغوا أو البرازيل، ليس سوى جيوب نفوذ ظرفية، لا تملك القدرة على تشكيل ضغط حقيقي على الولايات المتحدة.

2- الجاليات اللبنانية… قوة اقتصادية لا تصلح كأداة صراع ..
الجاليات اللبنانية في فنزويلا والبرازيل والأرجنتين جاليات محترمة، قديمة، حققت حضوراً اقتصادياً وثقافياً هائلاً، وهي أكبر من أن تُختزل في أي مشروع خارجي.لكنّ إيران تتعامل معها أحياناً كأنها: خزان بشري جاهز للتوظيف السياسي، أو شبكة يمكن تحويلها إلى ذراع لوجستي أو مالي، أو بيئة “متماهية” مع أجنداتها.
وهذا طرح خطير ومرفوض، لأنّ هذه الجاليات – ومهما تعددت توجهاتها – هي بالأساس مجتمعات مندمجة في محيطها اللاتيني، مشغولة باقتصادها وتاريخها ومصالحها، وليست طرفاً في أية لعبة إقليمية.والخطأ الأكبر هو أن تُعامل إيران هذا الوجود بوصفه “احتياطياً” يُستدعى ساعة الحاجة.والأدهى من ذلك هو أن يصدّق البعض أنّ ذلك ممكن.

3- مشاغلة واشنطن… بين الحقيقة والدعاية
هل تستطيع إيران فعلاً نقل المواجهة إلى الكاريبي؟
الجواب من المؤكد لا بالمعنى العسكري، ولا بالمعنى الاستراتيجي العميق.أسباب ذلك واضحة:
أ- الكاريبي ليس فراغاً أمنياً؛ إنه الفناء الخلفي للولايات المتحدة منذ قرنين.
ب- أي حركة مشبوهة هناك تُقابل بمسطرة ردع أمريكية لا تتهاون.
ج – أدوات إيران في المنطقة ناعمة وضعيفة، وليست صلبة أو قابلة للتطوير السريع.
د – الجاليات العربية – ومنها اللبنانية – لا يمكن أن تُزجّ قسراً في صراع لا يعنيها.
إذن، ما الذي يجري فعلاً؟
إيران تستخدم “ورقة الكاريبي” كإشارة معنوية أكثر منها قدرة واقعية، لإيصال رسالة إلى واشنطن مفادها بأنها
“لست محاصَرة، ولديها منافذ أخرى.”لكنها منافذ متخيلة أكثر منها مؤثرة.

4 – أوراق إيران البديلة… قوة إعلامية لا قوة استراتيجية
التقدير الهادئ يكشف الآتي:
أ – إيران تمتلك شبكة تحالفات في الشرق الأوسط فقط، حيث البنية العقائدية واللوجستية ملائمة لها.
ب – خارج الإقليم، حضورها وظيفي، محدود، وغير قابل للتحول إلى قوة ضاغطة.
ج – رهانها على المسافات البعيدة هو رهان على الضجيج أكثر من الواقع ، بل لقد تحوّل الحديث عن “النفوذ الإيراني في الكاريبي” إلى مادة للاستخدام الإعلامي، لا للاستخدام العملي.

5 -ما الذي يجب قوله بوضوح؟
إيران ليست قوة عالمية ، ولا تملك أدوات حقيقية لمشاغلة واشنطن في ساحتها الخلفية ، وما تفعله هو:
أ – تضخيم انتصارات صغيرة،
ب – تحويل علاقات صداقة إلى “محاور”،
ج- واستثمار وجود جاليات عربية محترمة وفاعلة كجزء من الدعاية السياسية ، والأخطر أنها تفترض أنّ كل ما هو عربي في الخارج يمكن تحويله إلى “بيئة صديقة”، وهو افتراض استعلائي وخاطئ.

خلاصة القول نقول بأن الكاريبي ليس ورقة إيرانية ، والجاليات هناك ليست “احتياطي نفوذ” ،وواشنطن لا يمكن مشاغلتها عبر مساحات بعيدة وهشة، بل عبر موازين قوة حقيقية في الميدان.وإذا كانت إيران تبحث عن أوراق بديلة بعد اهتزاز موقعها الإقليمي، فإنّ اللجوء إلى “أوهام النفوذ البعيد” لن يصنع لها قوة، ولن يُقلق الولايات المتحدة، ولن يغيّر شيئاً في معادلة الصراع الكبرى ، بل إنّ الإفراط في الادعاء قد يكشف حدودها أكثر مما يخدمها .

5 / كانون الأول/ 2025

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى