حارس المقبرة الفصل الثامن والعشرون: سِجّيلُ القاضي الظالمِ ووزنُ العدلِ
بقلم ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

كانَ الصباحُ عندَ عادلٍ يبدأُ دائماً بِنفسِ الهدوءِ المباركِ، بعدَما قامَ بتوزيعِ جزءٍ منْ كنزِهِ على المحتاجينَ. استيقظَ على صوتِ آذانِ الفجرِ، فتوضّأَ بِماءٍ باردٍ، صلّى، ثمَّ تناولَ إفطارَهُ البسيطَ معَ أهلِهِ في جوٍّ منَ السكينةِ. جلسَ عادلٌ معَ ابنِهِ الأكبرِ عبدِاللهِ وتسامرَ معَهُ، وأخذَ يُحدّثُهُ عنْ أخبارِ القبورِ منْ دونِ أنْ يُلمّحَ لَهُ شيئاً منْ قصصِ الأرواحِ، لِكيْ يُهيّئَهُ لِما هوَ قادمٌ، كما كانَ يفعلُ والدُهُ. ودّعَ أهلَهُ وتوجّهَ إلى عملِهِ.
بمجردِ أنْ ولجَ عادلٌ بابَ المقبرةِ، بدأَ روتينُهُ اليوميُّ: إلقاءُ التحيَّةِ والسلامِ على الأمواتِ بصمتٍ، فحصُ الأقفالِ والأبوابِ، وكنسُ الممراتِ بينَ القبورِ بِهدوءٍ ورِفقٍ، كانَ يرى في عملِهِ هذا حِرفةً مقدّسةً لا تليقُ بِها العجلةُ أوِ الإهمالُ.
في ذلكَ اليومِ، بينما كانَ عادلٌ يُزيلُ الحشائشَ الصفراءَ عنْ قبرٍ قديمٍ في زاويةِ المقبرةِ، سمعَ صوتاً مُدوِّياً آتياً منْ بعيدٍ. لمْ يكُنْ أنيناً عادياً كصوتِ أرواحِ الندمِ، بلْ كانَ صوتاً شبيهاً بِكسرِ العظامِ أوْ اصطكاكِ الحديدِ الثقيلِ، ممزوجاً بِصيحاتِ بكاءِ وعويلٍ تُمزّقُ سكونَ الصباحِ.
شدَّ عادلٌ مئزرَهُ وتركَ أدواتِهِ، وبدأَ يتتبّعُ مصدرَ الصوتِ بِحذرٍ. قادَهُ الصوتُ إلى القسمِ الذي يُدفنُ فيهِ عليةُ القومِ وكبارُ المسؤولينَ، حيثُ القبورُ مُشيَّدةٌ بِحجارةٍ فخمةٍ. تزايدَ الصوتُ كلّما اقتربَ، حتى وجدَهُ يخرجُ منْ قبرٍ فخمٍ كانَ مَدفناً لِأحدِ كبارِ قضاةِ المدينةِ الذي توفّيَ مُنذُ عدّةِ سنواتٍ بعدَ حياةٍ مليئةٍ بالثراءِ والنفوذِ.
لقاءُ القاضي الظالمِ
كانَ القبرُ يلفُّهُ جوٌّ منَ الكآبةِ المُرعبةِ وشعورٌ بالثقلِ لا يُشبهُ ثقلَ الذنوبِ العاديةِ، بلْ ثقلَ المسؤوليةِ المهدرةِ. ظهرتْ لِعادلٍ روحُ القاضي الظالمِ. لكنَّ الروحَ كانتْ في حالٍ يُرثى لها: عيناها تذرفانِ الدمَ بدلاً منَ الدموعِ، وجسدُها الشفّافُ كانَ مُقيَّداً بِسلاسلَ ثقيلةٍ، وفي كلِّ طرفةِ عينٍ، كانَ وجهُهُ يتغيّرُ لِيُشبهَ وجهَ مظلومٍ جديدٍ. كانتِ الروحُ تُطلقُ صيحاتِ بكاءِ وعويلٍ تُمزّقُ سكونَ الليلِ.
اقتربَ عادلٌ وهوَ يتعوّذُ باللهِ، وقالَ بِصوتٍ حزينٍ: “أنتَ الذي كنتَ تقضي بينَ الناسِ بالحقِّ، فماذا فعلتَ لِتصلَ إلى هذا الحالِ يا أيُّها القاضي؟”
تحدثتِ الروحُ بصوتٍ مُتكسّرٍ يئنُّ منْ عذابِ الحسرةِ:
روحُ القاضي الظالمِ: “آهٍ يا عادل! ليتَني لمْ أتقلَّدْ هذا المنصبَ! لقدْ كنتُ يوماً أملكُ سُلطةً عظيمةً أُقرّرُ بِها مصائرَ الناسِ وأُعيدُ الحقوقَ. لكنَّنيَ انحرفتُ، فغيَّرَتْنيَ الرشوةُ والمصالحُ، فَقَضيتُ بِالظلمِ والهوى. كنتُ أُدركُ الحقَّ وأُقرّرُ ضِدَّهُ! لقدْ بعتُ الجنَّةَ بِدريهماتٍ معدودةٍ، وضحّيتُ بِعدلي لِأجلِ رضا الظالمينَ.”
صرختِ الروحُ بصوتٍ مُجلجلٍ، وهيَ تشيرُ إلى قيدِها: “إنَّ عذابي هنا ليسَ منْ نارٍ، بلْ منْ رؤيةِ وجوهِ المظلومينَ الذينَ تسبّبتُ في قهرِهمْ، ومنْ ثقلِ حملِ المسؤوليةِ التي ألقيتُها خلفَ ظهري!”
نظرَ عادلٌ إلى الروحِ، وقالَ مُذكّراً بِشِدّةِ الوعيدِ: “ألمْ يخشَ قلبُكَ قولَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ‘القضاةُ ثلاثةٌ: اثنانِ في النارِ وواحدٌ في الجنَّةِ؛ فأمّا الذي في الجنَّةِ، فرجلٌ عرفَ الحقَّ فقضى بهِ، وأمّا اللذانِ في النارِ: فرجلٌ عرفَ الحقَّ فجارَ في الحُكمِ، ورجلٌ قضى للناسِ على جهلٍ’؟ ألمْ تعرفِ الحقَّ وتتعمّدِ الجورَ؟”
انكمشتِ الروحُ على نفسِها منَ الخجلِ والوجعِ، وقالتْ باكيةً: “بلى، لقدْ عرفتُ الحقَّ، لكنَّنيَ أدرتُ ظهريَ لَهُ! الآنَ أتذكّرُ أيضاً قولَ اللهِ تعالى في كتابِهِ العزيزِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، كنتُ أقرأُ هذهِ الآيةَ ولا أُدركُ معناها إلا الآنَ! إنَّ اللهَ يُمهلُ ولا يُهملُ يا عادلُ. إنَّني أُعاقبُ على كلِّ سِجّلٍ كُتِبَ فيهِ الباطلُ بِأمرِي، وعلى كلِّ دمعةِ مظلومٍ سالَتْ بسببِ حُكمي!”
عادلٌ: “وماذا تريدُ منّي؟ فالأحكامُ قدْ صدرتْ، ومصائرُ الناسِ قدْ حُسِمَتْ بختمِكَ.”
روحُ القاضي الظالمِ: “يا عادلُ، إنَّ ليَ في بيتيَ القديمِ سِجّلاً سريّاً، دَوَّنتُ فيهِ القضايا التي تَلَقَّيتُ بِها رشوةً أوْ التيَ حكمتُ فيها بغيرِ الحقِّ، تِلكَ القضايا التي ظلمتُ فيها أناساً لا حولَ لهمْ ولا قوةَ. اذهبْ إلى أبنائي وأخبرْهمْ عنّي، سيجدُونَ هذا السِجّلَ مُخبأً خلفَ خزانةِ مكتبتيَ الكبيرِ. أرجوكَ يا حارسَ المقبرةِ، خُذْهُ واكشفْ أمرَهُ لِلمسؤولينَ الجددِ. لعلَّ إبطالَ تلكَ الأحكامِ الجائرةِ، وإعادةَ الحقوقِ لِأصحابِها، يُخفّفُ شيئاً منْ قيودِ العذابِ التي أحملُها الآنَ.”
توقفتِ الروحُ لِتستجمعَ أنفاسَها، ثمَّ توسّلتْ: “أخبرْ كلَّ مَنْ يتولّى منصباً أنْ يتذكّرَ هذا العذابَ! أخبرْهمْ أنَّ يومَ القيامةِ شديدٌ على القاضي الذي ظلمَ، حتى يَتمنّى أنَّهُ لمْ يَقضِ بينَ اثنينِ في تمرةٍ واحدةٍ!”
تلاشتِ الروحُ في الظلامِ هالكةً، تاركةً عادلًا يرتعشُ منْ عظمةِ المسؤوليةِ وشدّةِ الوعيدِ. أدركَ عادلٌ أنَّ مهمتَهُ هذهِ المرةَ لنْ تكونَ ضدَّ الأفرادِ، بلْ ضدَّ منظومةِ الظلمِ نفسها. عليهِ أنْ يُنقذَ ما يُمكنُ إنقاذُهُ منْ آثارِ القاضي الظالمِ.
رجعَ عادلٌ إلى غرفتِهِ وأستعدَّ لِيومٍ جديدٍ ومهمةٍ جديدةٍ لِتحقيقِ العدلِ والمساواةِ، أمانةٌ كبيرةٌ يحملُها حارسُ مقبرةٍ بسيطٍ.


