حارس المقبرة الفصل الثاني والعشرون: كرامةُ السائلِ الصامتِ وجزاءُ الأرضِ
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

كانتْ حقيبةُ “خالد” مليئةً بالمالِ، لكنَّها كانتْ أثقلَ بالمسؤوليةِ، فكلُّ ورقةٍ ماليةٍ فيها تحملُ معها حسرةَ أبٍ ورجاءَ ابنٍ. جلسَ عادلٌ معَ خالدٍ ليلةً كاملةً، ليسَ لِفرزِ المالِ، بلْ لِفرزِ القلوبِ والبيوتِ، مُركّزاً على أنَّ كرامةَ الفقيرِ هيَ أغلى الكنوزِ التي يجبُ أنْ نحرصَ عليها.
قالَ عادلٌ بوقارٍ: “يا ولدي خالد، المقبرةُ علّمتني أنَّ بعضَ أهلِ الأحياءِ يخشونَ السؤالَ أكثرَ منْ خشيتِهِمْ للجوعِ. الصدقةُ الخفيةُ ليستْ فقطْ لِئلّا تُرى، بلْ لِئلّا يُحسَّ بها، لئلّا يشعرَ المُتلقّي بأنَّهُ مَنَّ عليهِ أحدٌ.”
في ليلِ اليومِ التالي، وبعدَ أنْ خيّمَ السكونُ على المدينةِ، خرجَ عادلٌ بصحبةِ خالدٍ في مهمةِ توزيعِ المالِ. كانتْ رحلتُهما أشبهَ بـرحلةِ لصوصِ الخيرِ الذينَ يعملونَ في الخفاءِ، مُتبعينَ خطةَ عادلٍ المُتقنةِ: وضعُ الظروفِ بهدوءٍ تحتَ الأبوابِ معَ بطاقةٍ بسيطةٍ كُتبَ عليها: “رزقٌ منَ اللهِ، طيّبٌ وحلالٌ”، أوْ إيصالُها عبرَ وسطاءَ مُوثوقينَ.
كانَ خالدٌ مندهشاً منْ حرفيةِ عادلٍ في حفظِ كرامةِ الناسِ. وعندما انتهيا منْ توزيعِ الدفعةِ الأولى معَ بزوغِ الفجرِ، كانَ وجهُ خالدٍ يُشرقُ بابتسامةٍ هادئةٍ. قالَ لخالدٍ: “والدُكَ الآنَ هوَ أسعدُ روحٍ في المقبرةِ يا خالدُ. لولا ندمُهُ وحرصُكَ، لظلَّ هذا المالُ نائماً، ولظلتْ تلكَ الأرواحُ هنا تتألمُ.”
لمْ يمضِ عادلٌ إلى بيتِهِ بعدَ الفراغِ منَ المهمةِ، بلْ توجّهَ مباشرةً إلى المقبرةِ، إلى قبرِ والدِ خالدٍ. كانتْ حكمةُ عادلٍ تقولُ لَهُ إنَّ ثمرةَ العملِ الصالحِ لا تُرى في وجوهِ الأحياءِ فقطْ، بلْ في سلامِ الأمواتِ أيضاً.
في هذهِ المرةِ، لمْ تكنِ الروحُ شاحبةً أوْ مُتكسّرةً كما في الليلةِ السابقةِ، بلْ ظهرتْ بهيئةِ نورٍ ساطعٍ وهادئٍ، وكانتْ آمنةً مطمئنةً سعيدةً، وكأنَّ حِملَ سنينَ قدْ أُزيحَ عنْها.
تحدثتِ الروحُ بصوتٍ مُفعمٍ بالرضا: “يا عادلُ، يا خيرَ الأمناءِ! لقدْ وصلَنيَ الأثرُ، ولقدْ وجدْتُ الأنُسَ في قبري. أنتَ لمْ تُوزّعْ مالاً، بلْ وزّعتَ رحمةً، وحفظتَ كرامةً، فأنقذتَني منْ حسرةِ التقصيرِ. أشكرُكَ على إخلاصِكَ وأمانتِكَ يا صديقَ القبورِ!”
اختفتِ الروحُ في نورِ السلامِ، وما إنْ خفتَ نورُها، لمعَ نورٌ جديدٌ لقطعٍ ذهبيةٍ كثيرةٍ على ضريحِ أبي خالدٍ، وكأنها هديةٌ منهُ على ما قدّمَ منْ خيرٍ وعطاءٍ. وبقيَ عادلٌ واجماً. لمْ يكنْ يطلبُ كنوزاً، لكنَّهُ أدركَ أنَّ هذا الكنزَ هوَ رسالةٌ منَ السماءِ، رسالةٌ تُؤكّدُ أنَّ قيمةَ الإنسانِ الحقيقيةِ تُقاسُ بأمانتِهِ وإحسانِهِ في السرِّ.
عادَ عادلٌ إلى بيتِهِ يحملُ سرَّهُ الجديدَ، متفكّراً في توازنِ العدلِ الإلهيِّ الذي يُجازي الأمانةَ بالرزقِ، ويُحوّلُ حسرةَ الموتى إلى راحةٍ ببركةِ الصدقةِ الخفيةِ.



