حارس المقبرة الفصل السادس عشر الجنةُ الضائعة
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

بعدَ أنْ حملَ عادلٌ رسالةَ الأخوينِ المتخاصمينِ، ازدادَ يقيناً أنَّ المقبرةَ ليستْ نهايةً للحكاياتِ، بلْ هيَ بدايةٌ لرسائلَ لا تُحصى. لقدْ أصبحَ يرى عملَهُ كحارسٍ لمْ يعدْ مجردَ رعايةٍ للقبورِ، بلْ هوَ مهمةٌ مُقدّسةٌ لحمايةِ أرواحِ الأمواتِ، ونقلِ حِكمِهمْ إلى الأحياءِ. فقدْ علمَ عادلٌ أنَّ كثيراً منْ قصصِ وأحداثِ الأمواتِ يفتقرُ إليها الأحياءُ، لذلكَ حرصَ كلَّ الحرصِ على أنْ يوصلَ هذهِ الرسائلَ إلى الناسِ جميعاً.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانَ عادلٌ يعملُ في المقبرةِ، وكانَ يوماً ماطراً، مرَّ بجوارِ قبرٍ قديمٍ، لفتَ انتباهَهُ نورٌ خافتٌ ونداءٌ حزينٌ. رأى روحَ امرأةٍ عجوزٍ، عيناها تفيضانِ بالدموعِ التي لمْ تجفَّ بعدَ الموتِ. كانتْ تبكي بصمتٍ، وتنظرُ إلى قبرِها وكأنها لا تُصدّقُ ما آلَ إليهِ حالُها.
اقتربَ عادلٌ، وسلّمَ عليها بأدبٍ، وسألها: “يا أمةَ الله، ما الذي يُبكيكِ؟ فالموتُ راحةٌ للمؤمنِ.”
أجابتِ الروحُ، وصوتُها يرتجفُ حزناً: “أنا لا أبكي على الموتِ يا بنيَّ، فالموتُ رحمةٌ منْ ربي. أنا أبكي على الحياةِ التي عشتُها، وعلى الأبناءِ الذينَ نسوا الفضلَ.”
بدأتِ الأمُّ تروي قصتَها، وهيَ تشيرُ إلى قبرٍ مجاورٍ: “هذا قبرُ زوجي، أبوهمْ. كنا نعملُ ليلَ نهارَ، ونُوفّرُ كلَّ لقمةٍ لنُطعمَهمْ، ونحرِمُ أنفسَنا منْ كلِّ شيءٍ لِنُسعدَهمْ حتى كبروا وصاروا رجالاً. لكنْ عندما كبرنا وضعفتْ أجسادُنا، بدأوا يتجاهلونَنا. مرضَ زوجي وكبرَ سنُهُ، وأدخلوهُ المستشفى. لمْ يزرْهُ أحدٌ منهمْ، بلْ تركوا عاملاً غريباً يهتمُّ بهِ حتى فارقَ الحياةَ وحيداً.”
وتُكملُ الأمُّ وهيَ تبكي: “أما أنا، فقدْ بقيتُ وحدي، أصارعُ الحياةَ والألمَ. لمْ يسألْ عني أحدٌ لفترةٍ طويلةٍ، وصرتُ عالةً على الجيرانِ والمحسنينَ، إلى أنْ كثرَ كلامُ الناسِ عني وعنْ عقوقِهمْ. عندها فقط، قرروا أخذي إلى دارِ المسنينِ. وهناكْ، تركوني وحيدةً بينَ جدرانٍ غريبةٍ، دونَ أنْ يزورَني أحدٌ، حتى فارقتُ الحياةَ، وقدْ حملتُ في قلبي جرحَ الخذلانِ.” معَ هذا كلِّهِ، لمْ أدعُ عليهمْ، بلْ دعوتُ لهمْ بالهدايةِ والصلاحِ. وهنا، هزَّ المكانَ صوتُ برقٍ ورعدٍ، وكأنَّ السماءَ غاضبةٌ منْ هذا العقوقِ.
انفطرَ قلبُ عادلٍ، وهوَ يستمعُ لقصةِ الألمِ، وسألَ: “ماذا أستطيعُ أنْ أفعلَ لكِ يا أماه؟”
نظرتِ الأمُّ إليهِ، وقالتْ بصوتٍ حكيمٍ: “يا ولدي، لا أريدُ منكُ مالاً، ولا أريدُ منكُ حكماً على أبنائي. أريدُ منكُ أنْ تحملَ رسالتي إلى الأحياءِ. أخبرهمْ أنَّ الجنةَ تحتَ أقدامِ الأمهاتِ، وأنَّ رضى الوالدينِ هوَ مفتاحُ كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرةِ. وأنَّ عقوقَهمْ ليسَ مجردَ ذنبٍ، بلْ دينٌ سيُسدَّد. أخبرهمْ أنَّ كنوزَ العالمِ كلها لا تُساوي لحظةَ حنانٍ منْ أمٍّ أو أبٍ، وأنَّ أغنى الناسِ هوَ منْ عاشَ وهوَ ينعمُ بوجودِ والديهِ.”
اختفتِ الروحُ بسلامٍ، تاركةً عادلًا في حالةِ ذهولٍ. عادَ إلى بيتهِ، وهوَ لمْ يكنْ يحملُ في يدِهِ ذهباً، بلْ كانَ يحملُ في قلبِهِ أثقلَ كنزٍ في الدنيا: كنزَ الحكمةِ في احترامِ الوالدينِ.
عادَ عادلٌ إلى المدينةِ، ووقفَ على منبرِ الجمعةِ يومَها، وخطبَ في الناسِ خطبةً عصماءَ ارتجتْ منها القلوبُ والوجدانُ، وأكدَ على أنَّ عليهمْ أنْ يتقوا اللهَ في والديهمْ، وأنْ يُحسنوا إليهمْ ما داموا أحياءً، وذكرَهمْ بوصيةِ رسولِ اللهِ في الوالدينِ



