حارس المقبرة الفصل الثاني عشر: أغلى من الذهب
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان-مسقط

مرتْ عشرةُ أيامٍ على آخرِ موقفٍ معَ عادلٍ في المقبرةِ.
وفي تلكَ الفترةِ،
سارَ عادلٌ على خطى والدِهِ الشيخ، يزورُ الناسَ ويتفقدُ أحوالَهمْ، ويقدّمُ المساعدةَ للمحتاجينَ، دونَ أنْ يُنفقَ على نفسِهِ أو أهلِهِ منْ أموالِ كنوزِ المقبرةِ. لقدْ وقعَ حبُّ عادلٍ في قلوبِ الناسِ كما كانَ والدهُ، وأخذوا يستشيرونَهُ في كلِّ شيءٍ، حتى أصبحَ رجلاً موثوقاً بهِ. وفي أحدِ الأيامِ، بعدَ صلاةِ العصر، خرجَ عادلٌ منَ المسجدِ، فرأى امرأةً غريبةَ الملامحِ، سمراءَ البشرةِ، ترتدي ثياباً باليةً، ومعها طفلٌ صغيرٌ، تطلبُ العون. مرَّ بها رجلٌ ونهرَها بصوتٍ عالٍ: “أنتمْ منْ تشوّهونَ صورةَ المدينةِ! عودوا إلى بلادكمْ.” تعجبَ عادلٌ مما رأى، لكنهُ لمْ يفعلْ شيئاً، وعادَ إلى منزلهِ. ولكنَّ بالَهُ لمْ يهدأْ، فلمْ يستطعْ أنْ ينسى نظرةَ المرأةِ. عادَ مسرعاً إلى المسجدِ يبحثُ عنها، لكنهُ لمْ يجدْها. مرّتْ ثلاثةُ أيامٍ، وعادلٌ يبحثُ عنها في شوارعِ المدينةِ، لكنْ دونَ جدوى. جاءَ وقتُ عملِهِ في المقبرةِ، وبعدَ أنْ فرغَ منْ عملِهِ، جلسَ يشربُ الشايَ في غرفتِهِ. فجأةً، سُمعَ طرقٌ على الباب. فتحَ البابَ فوجدَ أحدَ العسكرِ يقفُ أمامهُ، ويقولُ لهُ: “يا شيخَ المقبرة، لقدْ وجدنا جثتيْ امرأةٍ وطفلٍ صغيرٍ، وقدْ فارقا الحياةَ. إنهما غريبانِ عنِ المدينةِ. وقدْ أمرَ القائدُ بدفنهما، فهلْ تُعيننا على ذلك؟” أجابَ عادلٌ وقلبُهُ ينقبضُ: “نعمْ. لكنْ منْ هما؟” قالَ الرجلُ: “لا ندري.” أشارَ إلى العربةِ، فنظرَ عادلٌ إلى الجثتينِ، وإذا بهما المرأةُ وابنُها. حزنَ حزناً شديداً، وشعرَ بالندمِ والحسرةِ. طلبَ منْ بعضِ نساءِ القريةِ أنْ يحضرنَ لتغسيلِهما، وقامَ هوَ بتغسيلِ الطفلِ الصغيرِ، وتكفّلَ بكلِّ ما يلزمُ لسترِهما ودفنِهما. قالتْ إحدى النساءِ: “يا شيخ، لقدْ جاءتْ هذهِ المرأةُ عندي ذاتَ يومٍ تطلبُ الطعامَ، فأعطيتُها ما عندنا. كانتْ مريضةً، ولمْ تستطعْ أنْ تُرضعَ صغيرَها. قالتْ إنها منْ بلدٍ بعيدٍ، وهيَ مسلمة.” شكرَها عادلٌ، ودفنَ المرأةَ وابنَها، وقلبُهُ يتقطعُ ألماً وندماً. في منتصفِ الليلِ، سمعَ عادلٌ صوتَ بكاءِ طفلٍ رضيعٍ.
علمَ أنَّ أمراً جللاً سيحدثُ. توجّهَ إلى المقبرةِ، فوجدَ المرأةَ تحملُ صغيرَها على القبرِ، وهما يبكيانِ. قالَ بصوتٍ خافتٍ: “السلامُ عليكمْ يا أهلَ الآخرةِ. لمْ أنتما هنا؟ ألا ترتاحانِ؟” قالتِ المرأةُ بصوتٍ حزينٍ: “وكيفَ لي أنْ أرتاحَ وولدي ماتَ منَ الجوعِ؟ لمْ تقدّمْ لنا يدَ العونِ وتركتَنا في ذلكَ اليومِ؟” أحسَّ عادلٌ بأنَّ كلماتها كالنارِ التي تحرقُ قلبَهُ. قالَ بأسفٍ عميقٍ: “أنا حقاً آسفٌ. لقدْ عدتُ باحثاً عنكمْ، لكني لمْ أجدْكمْ. سامحيني.” ثمَّ سألَها: “لكنْ منْ أنتما؟ ومنْ أينَ جئتما؟” قالتْ: “نحنُ منْ بلادٍ بعيدةٍ. تفشّى فينا المرضُ، وهاجرنا منها. لمْ يكنْ معنا مالٌ، وفارقَ زوجي الحياةَ. فما وجدنا إلا مدينتَكمْ، وبدأنا بالتسولِ لكيْ نعيشَ. لقدْ قيلَ لي إنَّ هناكَ أناساً أخياراً في مدينتِكمْ، ولكنَّ هذا ما حدثَ. متنا منَ الجوعِ والنومِ في العراءِ.” قالَ عادلٌ، ودموعُهُ تسيلُ على وجنتيهِ: “سامحني انتي وأبنك. لوْ علمتُ بأمركمْ، لساعدتُكمْ. لكنَّ أمرَ اللهِ كانَ أسرعَ.” قالتْ: “سامحكَ اللهُ. نحنُ عندَ ربٍّ كريمٍ. لكنْ أريدُكَ أنْ تتذكرَ قولَ اللهِ تعالى: لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ.” أدركَ عادلٌ مقصدَها، وأجابَ وقلبُهُ يرتجفُ: “نعمْ. إنْ شاءَ اللهُ، سأتذكرُ ذلكَ.” اختفتِ المرأةُ وابنُها. لمْ تتركْ ذهباً، ولكنها تركتْ رسالةً أغلى منَ الذهبِ، وهيَ أنْ لا يحكمَ على الناسِ منْ ظاهرِهمْ، وأنْ يقدّمَ الخيرَ والمساعدةَ للآخرينَ، ولوْ بشيءٍ بسيطٍ، عسى اللهُ أنْ يجعلَ فيهِ خيراً كثيراً. أصبحَ عادلٌ يومَها، وتوجّهَ إلى المسجدِ. خطبَ في الناسِ خطبةً مؤثرةً، وذكّرَهمْ بفعلِ الخيرِ والإحسانِ إلى كلِّ منْ يمرُّ بهمْ، دونَ استثناءٍ، وأنْ لا يسخروا منْ أحدٍ، أو يحكموا على المظاهرِ. قالَ لهمْ إنَّ الجوعَ قدْ يدفعُ الإنسانَ إلى فعلِ ما لا يليقُ، وإنَّ الخيرَ الذي لا يُقدَّمُ، قدْ يكونُ سبباً في نزولِ البلاءِ. وختمَ خطبتَهُ وهوَ يردّدُ: “فلنكنْ جميعاً كاليدِ الواحدةِ، نزرعُ الخيرَ في قلوبِ الناسِ، ونرحمُ مَنْ على الأرضِ، ليرحمنا مَنْ في السماءِ.”



