الانتخابات السويدية 2026: من قوقعة اللوبيات إلى المواطنة الريادية الشاملة

مع اقتراب الانتخابات السويدية في 13 سبتمبر 2026، لا ينبغي أن ينحصر النقاش لدى المواطنين السويديين من أتباع الديانة الإسلامية في سؤال: لمن نصوّت؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نريد أن نكون جزءاً من مستقبل السويد؟

على مدى سنوات طويلة، بقي جزء من الحضور العام للمواطنين من أتباع الديانة الإسلامية متموضعاً حول قيادات وشخصيات وأطر تقليدية، بعضها ربما نجح في مرحلة معينة في معالجة احتياجات آنية، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في الانتقال من إدارة قضايا جماعة دينية إلى ترسيخ مفهوم المواطنة الشاملة؛ أي أن يكون الفرد مواطناً كامل الحضور والمسؤولية، يشارك في قضايا التعليم والاقتصاد والثقافة والأمن والبيئة والسياسة والعمل المدني، ولا يُختزل وجوده في قضايا الدين والهوية وحدها.

المشكلة ليست في أن ينظم المواطنون أنفسهم أو يدافعوا عن حقوقهم، فهذا جزء طبيعي من الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما تتحول التنظيمات واللوبيات إلى قوقعة تعيد إنتاج الأشخاص والخطابات ذاتها، وتتعامل مع المجتمع السويدي من موقع جماعة تفاوض الدولة، بدلاً من مواطنين هم جزء أصيل من الدولة والمجتمع.

والأكثر إثارة للقلق هو عودة بعض رموز وخطابات الإسلام السياسي إلى محاولة تصدر المشهد وتمثيل مجتمعات شديدة التنوع. بعض هذه الشخصيات ارتبط بخطابات وتجارب سياسية خارج السويد، وبعضها يعاني أصلاً ضعفاً في اللغة السويدية أو معرفة محدودة بتعقيدات المؤسسات والثقافة السياسية والمجتمعية في البلاد. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لمن لم يطور أدوات المشاركة المدنية السويدية أن يقدم نفسه بوصفه ممثلاً لأجيال وُلدت وتعلمت وتعمل وتبني مستقبلها في السويد؟

إن استيراد صراعات العالم العربي إلى المجال العام السويدي خطأ استراتيجي. وما سُمي قبل سنوات بالربيع العربي أفضى في عدد من تجاربه، في تقديري، إلى ما يمكن وصفه بالجفاف العربي؛ إذ استُهلكت طاقات مجتمعات كاملة في الصراع والاستقطاب، واستُخدمت شعارات كبرى أحياناً لخدمة أجندات سياسية وتنظيمية ضيقة. وليس من مصلحة المواطنين السويديين أن تُنقل هذه الصراعات، بأسمائها وخصوماتها وحساباتها، إلى الأجيال الجديدة في السويد.

الأخطر أن استمرار هذا النموذج يمنح مصداقية غير مقصودة للخطاب الذي تحدث عن وجود مجتمع ظل داخل السويد. فإذا كنا نرفض هذا الوصف، وهو وصف تعميمي وإشكالي، فعلينا في الوقت نفسه أن نسأل أنفسنا بجدية: هل ساهمت بعض المؤسسات والقيادات، من خلال الانغلاق وإعادة تدوير الخطاب نفسه، في صناعة الصورة التي استغلها خصوم التنوع لاحقاً؟

البديل ليس التخلي عن الدين أو الخصوصية الثقافية. على العكس، المواطنة الشاملة لا تطلب من الإنسان أن يتنازل عن إيمانه لكي يصبح مواطناً صالحاً. المطلوب هو الانتقال من الدفاع المستمر عن الوجود إلى المشاركة في صناعة المستقبل، ومن عقلية اللوبي المغلق إلى المواطنة الريادية الشاملة.

المواطن السويدي من أتباع الديانة الإسلامية ليس ضيفاً ينتظر من يتحدث باسمه، وليس مشروعاً انتخابياً موسمياً، وليس امتداداً لصراع سياسي في دولة أخرى. هو مواطن له حقوق وعليه مسؤوليات، ومن حقه أن يصل إلى البرلمان والجامعة والإعلام والبلديات ومراكز البحث والشركات والمؤسسات الثقافية بصفته وكفاءته ومواطنته، لا بوصفه رقماً تابعاً لهذه الجماعة أو تلك.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على القيادات القديمة أيضاً. التجديد لا يعني إهانة من سبق، ولا إنكار ما قدموه، وإنما يعني إدراك أن لكل مرحلة أدواتها. ومن خدم قبل عشرين أو ثلاثين عاماً يستطيع اليوم أن يؤدي خدمة تاريخية أخرى: أن يفتح المجال أمام جيل جديد بدلاً من أن يحتكره.

نحتاج إلى قيادات سويدية جديدة من أتباع الديانة الإسلامية تتقن اللغة، وتفهم النظام السياسي والقانوني، وتعرف مؤسسات المجتمع، وتستطيع مخاطبة المواطن في كيرونا ومالمو وستوكهولم باللغة الوطنية المشتركة، وتناقش مستقبل المدارس والرعاية الصحية والجريمة والبطالة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد والدفاع والبيئة، إلى جانب مكافحة العنصرية والتمييز وحماية الحرية الدينية.

كما نحتاج إلى تحرير العلاقة مع الأحزاب السياسية من فكرة منح أصوات جماعة مقابل وعود محدودة. المواطن ليس كتلة انتخابية يملكها شيخ أو جمعية أو ناشط أو وسيط سياسي. الصوت الانتخابي مسؤولية فردية ووطنية، ويجب أن يُمنح على أساس البرامج والكفاءة والمصلحة العامة ومستقبل السويد.

انتخابات 2026 يمكن أن تكون لحظة مراجعة حقيقية. ليس المطلوب إنشاء لوبي إسلامي أكثر قوة، وإنما بناء مواطنين أكثر قوة وحضوراً وتأثيراً. وليس المطلوب البحث عن شخص جديد يتحدث باسم الجميع، وإنما تمكين آلاف الأصوات والكفاءات من الحديث والمشاركة بأنفسهم.

لقد حان الوقت للانتقال من اللوبي إلى المواطنة، ومن القوقعة إلى المشاركة، ومن استيراد الصراعات إلى صناعة المستقبل، ومن البحث عن ممثل للجماعة إلى صناعة المواطن الريادي.

وهذا التحول ليس موجهاً ضد الإسلام ولا ضد المؤسسات الدينية، بل هو، في جوهره، رحمة بالأجيال السويدية الحالية والقادمة التي تؤمن بالإسلام ديناً، وبالسويد وطناً ومجتمعاً ومصيراً مشتركاً.

حسين الداودي
باحث في المواطنة الشاملة وبناء الجسور الحضارية بين المجتمعات
المجلس الاسكندنافي للعلاقات SCR

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24