الدكتور ثـــــــائر العجيلي
باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي
التقرير الاستراتيجي رقم (44): «لاحقًا» لأن السؤال لم يعد فقط: ماذا رحّل ترامب؟ 15 آب / أغسطس 2026
لم يعد ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران مجرد سلسلة من المفاوضات المتعثرة والتهديدات العسكرية المتبادلة. فخلف حركة المبعوثين، والحصار البحري، وأزمة مضيق هرمز، والضغط الاقتصادي، يمكن ملاحظة تحول أكثر هدوءًا وربما أكثر أهمية في طريقة إدارة الرئيس دونالد ترامب لأهدافه نفسها.
فما نراه لا يبدو مجرد تأجيل زمني لقرار واحد؛ بل يمكن قراءته بوصفه تحولًا متكررًا في ترتيب الهدف الأمريكي نفسه.
وهنا ينبغي منذ البداية التفريق بين ثلاثة مفاهيم متشابهة في ظاهرها، مختلفة في معناها الاستراتيجي:
التأجيل يؤخر الموعد. التراجع يخفض الهدف. أما الترحيل فيُبقي الهدف قائمًا، لكنه ينقله إلى مرحلة سياسية أو تفاوضية أخرى لم يُحدد بالضرورة متى تبدأ.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يحاول هذا التقرير الإجابة عنه:
هل أصبحت سياسة «ترحيل الأهداف» إحدى أدوات ترامب في إدارة المواجهة الإيرانية؟
1️⃣ من الحزمة الكبرى إلى ترتيب الأولويات
في التصور الأمريكي الأوسع تجاه إيران، لم يكن الملف يومًا نوويًا فقط. فقد تداخلت فيه أربعة ملفات كبرى: البرنامج النووي، والصواريخ، والأذرع والوكلاء، والسلوك الإقليمي الإيراني.
لكن حرب 2026 وما أعقبها من أزمة هرمز أعادتا ترتيب الأولويات. لم تختفِ الأهداف القديمة، وإنما بدأ بعضها يتقدم، وبعضها الآخر ينتقل إلى المرحلة التالية.
وبمرور الوقت أصبح بالإمكان رسم حركة لافتة:
كان المطلوب:
إيران مختلفة استراتيجيًا.
ثم أصبح التركيز:
البرنامج النووي.
ثم:
وقف العمليات.
ثم:
فتح مضيق هرمز.
أما النووي؟
لاحقًا.
والصواريخ؟
لاحقًا.
والأذرع والوكلاء؟
لاحقًا.
وهنا لا يعني «لاحقًا» بالضرورة التخلي عن الهدف، لكن تكرارها يحولها من كلمة تفاوضية عابرة إلى ظاهرة تستحق القراءة الاستراتيجية.
2️⃣ هرمز أولًا
مضيق هرمز غيّر المعادلة.
فعندما يصبح أحد أهم شرايين الطاقة العالمية جزءًا مباشرًا من الحرب، لا تعود الأولويات العسكرية منفصلة عن أسعار النفط والأسواق والداخل الأمريكي.
ومع تعثر المفاوضات، عادت واشنطن إلى تشديد الضغط الاقتصادي والحصار البحري، مؤكدة قدرتها على الاستمرار فيه، فيما بقي اضطراب حركة الملاحة والطاقة عاملًا ضاغطًا على الاقتصاد والأسواق.
وهكذا لم يعد فتح هرمز ملفًا بحريًا فحسب، بل أصبح هدفًا اقتصاديًا وسياسيًا أمريكيًا داخليًا أيضًا.
وهذا يقود إلى التطور الأحدث والأكثر دلالة.
3️⃣ فانس وليفيت: عندما تدخل الطاقة إلى تعريف الهدف
في 14 أغسطس وضع نائب الرئيس جي دي فانس المسألة بصيغة شديدة الوضوح: إبقاء أسعار النفط والبنزين منخفضة للأمريكيين هو «الهدف رقم واحد» للإدارة، فيما وضع منع إيران من الحصول على سلاح نووي في المرتبة الثانية.
أما كارولاين ليفيت، في التصريح الذي نُقل عنها وهي برفقة الرئيس في طريقه إلى نيويورك، فقدمت هدف ترامب بصيغة تجمع بين خفض أسعار الوقود والقضاء على البرنامج التسليحي النووي الإيراني.
والفارق بين الصياغتين مهم:
فانس يرتب الهدفين، وليفيت تجمعهما.
ولا يعني أي منهما أن البرنامج النووي اختفى من الاستراتيجية الأمريكية؛ لكنهما يكشفان أن الطاقة انتقلت من كونها نتيجة اقتصادية للحرب إلى عنصر داخل تعريف الهدف السياسي نفسه.
وهنا تظهر صورة أخرى من صور الترحيل:
فالهدف لا يُرحَّل دائمًا خارج الاستراتيجية… أحيانًا يُرحَّل داخل ترتيبها.
4️⃣ ترامب لا يتخلى بالضرورة عن الهدف
وهنا تكمن نقطة الإنصاف الضرورية في قراءة سياسة ترامب.
ليس صحيحًا أن كل هدف أُجّل يعني أن الرئيس تخلى عنه. فالدول الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير موازين الكلفة والفرصة، وقد يكون تقسيم هدف استراتيجي كبير إلى أهداف أصغر قابلة للتحقق إدارة عقلانية للقوة، وليس تراجعًا عنها.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة السلوك الترامبي بطريقة مختلفة:
ترامب لا يتخلى بالضرورة عن أهدافه؛ لكنه كلما اصطدم الهدف الأعلى بكلفة تحقيقه، يرحّله إلى المرحلة التالية ويقدم الهدف الأدنى بوصفه أولوية اللحظة.
وهذا مختلف جدًا عن «التراجع».
فإذا كان فتح هرمز شرطًا لاستقرار الطاقة، وكان استقرار الطاقة ضروريًا لحماية الاقتصاد الأمريكي، فقد يكون تقديم هرمز على ملفات أخرى قرارًا مرحليًا عقلانيًا.
لكن ذلك يفتح السؤال الأصعب:
ماذا يحدث للأهداف التي تُركت إلى «لاحقًا»؟
5️⃣ «لاحقًا»: لمن يعمل الزمن؟
هنا تكمن المعضلة الحقيقية.
فالبرنامج النووي الذي يُرحّل لا يبقى بالضرورة في المكان نفسه، والبرنامج الصاروخي لا يتوقف عن التطور انتظارًا لعودة المفاوض الأمريكي إليه، والأذرع والوكلاء لا يدخلون غرفة انتظار سياسية حتى تنتهي واشنطن من هرمز.
الخصم يتحرك أثناء التأجيل.
ولهذا:
في الاستراتيجية، يمكن ترحيل الموعد… لكن لا يمكن ترحيل التناقض إلى ما لا نهاية.
إذا كانت واشنطن تعتقد أن استمرار الحصار والضغط الاقتصادي سيجعل إيران أضعف بعد أشهر مما هي عليه اليوم، فإن «لاحقًا» يصبح جزءًا من استراتيجية مفهومة؛ فالرهان هنا أن تكون شروط تحقيق الهدف في المستقبل أفضل من شروطه اليوم.
لكن إيران تستطيع بناء الرهان المعاكس. فإذا تمكنت من تحمّل الضغط والاحتفاظ بأوراقها في هرمز ومنع العودة إلى حرب واسعة، فقد ترى أن الزمن يعمل على إرهاق الإرادة السياسية الأمريكية ورفع الكلفة الاقتصادية لاستمرار المواجهة.
وهنا يصبح الحصار أكثر من مجرد عقوبة؛ إنه أداة لإدارة الزمن. واشنطن تراهن على أن الضغط سيجعل العودة لاحقًا إلى الملفات المؤجلة أسهل، بينما تراهن طهران على أن كلفة اضطراب هرمز والطاقة ستجعل استمرار الضغط أصعب.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي:
أي الطرفين يستطيع تحمّل «لاحقًا» مدة أطول؟
فالترحيل لا تُقاس قيمته بما رُحّل فقط، بل بمَن يملك الزمن حتى يعود إليه.
6️⃣ عندما تصبح إعادة الترتيب سياسة
ترحيل هدف واحد في لحظة أزمة أمر طبيعي، وترحيل هدفين قد يكون ترتيبًا للأولويات.
لكن عندما ينتقل النووي والصواريخ والأذرع والوكلاء من مرحلة إلى أخرى، يصبح السؤال مشروعًا:
هل نحن أمام مناورة مرحلية، أم أمام نمط في صناعة القرار؟
وهنا يمكن صياغة القاعدة:
الترحيل قد يكون مناورة حين يحدث مرة… لكنه يصبح سياسة حين يتكرر.
وهذا لا يعني أن السياسة خاطئة بالضرورة. فقد يثبت ترامب في النهاية أن تفكيك المشكلة الإيرانية إلى مراحل كان أكثر واقعية من محاولة حل النووي والصواريخ والوكلاء وهرمز والسلوك الإقليمي في صفقة واحدة مستحيلة.
لكن نجاح سياسة الترحيل يحتاج ثلاثة شروط:
أن يعمل الزمن لصالح الولايات المتحدة.
أن تحتفظ واشنطن بأدوات الضغط أثناء الانتظار.
وأن يبقى الهدف المرحّل قابلًا للتحقيق عندما يحين موعد العودة إليه.
إذا تحققت الشروط الثلاثة، يصبح الترحيل استراتيجية.
أما إذا بدأ الزمن يعمل لصالح الخصم، وتآكلت أدوات الضغط، وتغير الهدف أثناء الانتظار، فإن «لاحقًا» قد تتحول تدريجيًا من موعد لتحقيق الهدف إلى مكان لإيداع الأهداف التي استعصى تحقيقها.
7️⃣ من «معضلة صانع القرار»
إلى «معضلة الهدف»
يلتقي هذا التقرير هنا مع سؤال «معضلة صانع القرار»، لكنه لا يكرره.
هناك كان السؤال:
ماذا يفعل ترامب بالقوة التي يمتلكها؟
أما هنا فالسؤال:
ماذا يفعل بالأهداف التي لا تستطيع تلك القوة تحقيقها دفعة واحدة وبالكلفة التي يريدها؟
فالقدرة على تعديل الأولويات ليست ضعفًا؛ بل قد تكون من علامات القيادة البراغماتية. لكن إعادة ترتيب الوسائل شيء، وإعادة ترتيب الأهداف شيء آخر، أما استمرار إعادة ترتيب الأهداف نفسها فقد ينتهي إلى تغيير الاستراتيجية من دون إعلان ذلك.
⏺️ الخاتمة الاستراتيجية: عندما يأتي «لاحقًا»
ليس السؤال الآن إن كان ترامب قد تراجع عن أهدافه تجاه إيران، ولا توجد أدلة كافية تسمح بهذا الحكم بهذه البساطة.
السؤال الأدق هو ما إذا كان الرئيس يستخدم الزمن مرحلةً في تحقيق تلك الأهداف، أم أن الزمن بدأ يتحول تدريجيًا إلى بديل عن تحقيقها.
قد يثبت ترامب في النهاية أن «لاحقًا» لم تكن هروبًا من الأهداف، بل طريقة مختلفة للوصول إليها.
وقد يثبت العكس: أن الزمن الذي اشتراه بالترحيل لم يحل المعضلة، وإنما نقلها من موعد إلى آخر.
ولهذا فإن المشكلة ليست أن ترامب يرحّل أهدافه؛ فالدول الكبرى تفعل ذلك عندما تتغير موازين الكلفة والفرصة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الترحيل متكررًا إلى درجة يصعب معها التمييز بين استراتيجية تؤجل تحقيق أهدافها… واستراتيجية تعجز عن تحقيقها.
وعندها يصبح السؤال الذي بدأ سياسيًا سؤالًا استراتيجيًا:
متى تنتهي المرونة التكتيكية… ويبدأ التراجع الاستراتيجي؟
فالسياسة لا تُقاس بعدد الأهداف التي بقيت مكتوبة على الطاولة، بل بعدد الأهداف التي خرجت منها وقد تحولت إلى واقع.
ولذلك ربما لن يكون السؤال الأهم عندما يأتي «لاحقًا»:
ماذا رحّل ترامب؟
بل:
عندما يأتي «لاحقًا»… هل سيجد ترامب الأهداف نفسها التي تركها، أم شرقًا أوسط آخر سبقَه إليها؟














