بقلم:المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش
محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان فلسطين ـ غزة
الأربعاء: 29 يوليو/تموز 2026
عندما يُطلب من شعبٍ أن يمارس حقه في اختيار ممثليه، فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يبدأ من صندوق الاقتراع، بل من الإنسان نفسه:
هل يمتلك الإنسان الظروف التي تجعله قادرًا على ممارسة هذا الحق بحرية وأمان؟
فالانتخابات في جوهرها ليست مجرد ورقة تُوضع في صندوق، ولا موعدًا سياسيًا يُدرج على جدول زمني، بل هي تعبير حقيقي عن إرادة الإنسان الحرة، وعن قدرته على المشاركة في صناعة مستقبله بعيدًا عن الخوف أو الإكراه أو أي ظروف قد تؤثر على اختياره.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ عند أبواب مراكز الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ عندما يشعر الإنسان بأن حياته مصانة، وكرامته محفوظة، وصوته مسموع، وأن المؤسسات القائمة قادرة على حماية حقه في المشاركة السياسية ضمن بيئة يسودها الأمن والعدالة وسيادة القانون.
فالحق في الانتخاب ليس حقًا منفصلًا عن بقية حقوق الإنسان، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحق في الحياة والكرامة والأمان، وهي مبادئ أكدت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، باعتبار المشاركة السياسية جزءًا أصيلًا من حرية الشعوب وحقها في تقرير مستقبلها.
وفي غزة اليوم، لم يعد السؤال فقط: متى تُجرى الانتخابات؟
بل أصبح السؤال الأكثر عمقًا:
هل توجد البيئة التي تجعل هذه الانتخابات تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة الإنسان الفلسطيني؟
كيف يمكن الحديث عن حملات انتخابية بينما آلاف الأسر فقدت منازلها، وما زالت تبحث عن مأوى يحفظ لها الحد الأدنى من مقومات الحياة؟
وكيف يمكن للإنسان أن يمارس خياره السياسي بحرية، بينما أولوياته اليومية ترتبط بتوفير الغذاء والدواء والماء والأمان؟
إن الانتخابات الحرة لا تقوم على يوم الاقتراع فقط، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من الضمانات، تشمل الأمن والاستقرار، وحرية الحركة والتعبير، ووجود مؤسسات فاعلة، وسجل انتخابي موثوق، وقضاء مستقل قادر على الفصل في الطعون، وإعلام حر، وضمانات تحمي إرادة الناخبين من أي تأثير أو ضغط.
وعندما تغيب هذه المقومات، فإن التحدي لا يكون فقط في إجراء الانتخابات، بل في ضمان أن تكون نتائجها انعكاسًا حقيقيًا لإرادة الشعب، لا مجرد إجراء شكلي منفصل عن الواقع.
ويبقى السؤال الأهم:
من يضمن حياة الإنسان وسلامته أثناء إجراء العملية الانتخابية؟
فالانتخابات، رغم أهميتها السياسية والدستورية، لا يمكن أن تتقدم على الحق الأساسي في الحياة، لأن الإنسان هو أساس كل الحقوق. فلا قيمة لصندوق اقتراع إذا كان الإنسان غير قادر على الوصول إليه بأمان، ولا معنى لحرية الاختيار إذا كانت الظروف المحيطة به تمنعه من ممارسة إرادته بصورة مستقلة.
إن حماية الإنسان ليست عائقًا أمام الديمقراطية، بل هي الشرط الأول لنجاحها. فالحرية السياسية لا تنمو في بيئة يسودها الخوف، وإنما تزدهر عندما يشعر الإنسان بالأمان والقدرة على التعبير عن إرادته دون ضغوط.
ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية لا ينبغي أن تقتصر على مراقبة الإجراءات الانتخابية فقط، بل يجب أن تمتد إلى ضمان الظروف التي تمكن الإنسان من المشاركة فيها بحرية وكرامة.
ولا شك أن الانتخابات يمكن أن تكون فرصة لتجديد المؤسسات، وإعادة بناء الثقة، ومنح الشعب مساحة للتعبير عن إرادته. لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى بيئة قادرة على حماية نتائجها وضمان مشروعيتها.
فالقضية ليست رفض الانتخابات أو تعطيلها، بل ضمان أن تكون انتخابات حقيقية تحمل معنى المشاركة الشعبية، وتمنح الإنسان القدرة على اختيار من يمثله بعيدًا عن الحاجة أو الخوف أو الضغوط.
فالإنسان الفلسطيني هو صاحب الحق الأول في اختيار ممثليه، وهو في الوقت ذاته صاحب الحق الأول في أن يعيش بكرامة وأمان.
ومن أخطر ما يهدد أي تجربة ديمقراطية أن تتحول الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج المصالح الضيقة، أو أن تصبح المنصب هدفًا بدل أن تكون المسؤولية هي الغاية.
فالانتخابات لا تُقاس فقط بحدوثها، بل بما تنتجه من قيادة تدرك أن السلطة تكليف وليست امتيازًا، وأن تمثيل الشعب أمانة وليس غنيمة.
والشعب الفلسطيني الذي تحمل أثمانًا كبيرة لا يحتاج فقط إلى شعارات انتخابية، بل يحتاج إلى ممثلين يضعون الإنسان فوق المنصب، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الخاصة، والمسؤولية فوق المكاسب.
إن حماية حق الإنسان الفلسطيني في الانتخاب لا تعني اختزال الديمقراطية في صندوق، بل تعني بناء البيئة التي تجعل هذا الصندوق معبرًا حقيقيًا عن إرادته.
فالديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بمدى قدرة الإنسان على الوصول إليها بحرية وأمان وكرامة.
والإنسان الفلسطيني لا يرفض الانتخابات، بل يتمسك بها كحق أصيل، لكنه يريد انتخابات تليق بتضحياته، وتكون طريقًا نحو الوحدة والاستقرار، لا محطة جديدة لإعادة إنتاج الأزمات.
قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع… افتحوا أبواب الحياة.
لأن الديمقراطية التي لا تحمي الإنسان تفقد معناها، والانتخابات التي لا تصون كرامة الناخب تبقى ناقصة مهما اكتملت إجراءاتها.
فصوت الإنسان لا يولد من الخوف، بل يولد حين يشعر بأنه حي، آمن، حر، وقادر على صناعة مستقبله بإرادة كاملة.
إن الاختبار الحقيقي لأي تجربة ديمقراطية في العالم لا يكون فقط في قدرتها على تنظيم الانتخابات، بل في قدرتها على حماية الإنسان الذي يمنحها معناها الحقيقي.
فالصناديق لا تكتسب قيمتها من وجودها، وإنما من الإنسان الذي يقف أمامها وهو يشعر بالأمان والحرية والكرامة.
وفي النهاية، فإن الدفاع عن حق الإنسان في الحياة ليس بديلًا عن حقه في الانتخاب، بل هو الشرط الذي يجعل هذا الحق ممكنًا وذا معنى.
الحياة أولًا… ثم يأتي صندوق الاقتراع.













