قصائد و مقالات

الرحمة روح الكون

✍️ صالح الريمي :

مالك بن دينار أحد علماء السلف يقول: خرجت إلى الحج وفيما أنا سائر في البادية إذ رأيت غرابًا في فمه رغيف، فقلت هذا غراب يطير وفي فمه رغيف إن له لشأنًا، فتتبعته حتى نزل عند ثمار فذهبت إليه فاذا بي أرى رجلًا مشدودًا لا يستطيع فكاكا، والرغيف بين يديه، فقلت للرجل: من تكون؟ فقال الرجل: أنا من الحجاج وقد أخذ اللصوص مالي ومتاعي وشدوني والقوني في هذا الموضع كما ترى..
فصبرت على الجوع أيامًا ثم توجهت إلى ربي بقلبي وقلت: يامن يجيب المضطر إذا دعاه أنا مضطر فارحمني، فأرسل الله هذا الغراب بطعامي، قال مالك بن دينار: فحللته من الوثاق ثم مضينا، فعطشنا وليس معنا ماء فنظرت البادية فرأينا بئرًا عليه ظباء، فنفرت الظباء وأقامت غير بعيد، فلما وصلنا إلى البئر، كان الماء في قاعه فاحتلنا حتى استقينا وشربنا وعزمت ألا نبرح حتى نسقي الظباء.

فحفرت مع صاحبي حفرة وملأناها بالماء وتنحينا فاقبلت الظباء فشربت حتى رويت، فإذا هاتف يهتف بي ويقول: يا مالك دعانا صاحبك وتوجه إلينا بقلبه ونفسه فأجبناه وأطعمناه وحللنا وثاقه وسقيناه وتوكلت الظباء علينا فسقيناها..
الصورة المرسلة في المقال تقول:
“إن العطاء والإنسانية والرحمة ودفء المشاعر لا علاقة لهم بقسوة المكان ولا بالعمر ولا بقلة الإمكانيات، ولا تُباع ولا تُشترى”، لهذا لست بحاجة لأن تكون غنيًا كي تكون من الراحمين أو تشفق وتعطف على الناس أو الحيوانات، فكل ما تحتاجه هو قلب رحيم عطوف يشعر بآلام الآخرين ومعاناتهم.

والرحمة هي دافع وشعور إنساني فطري يوجد في الشخص السوي الذي يحمل في طياته وثناياه الرحمة والرفق واللين والرأفة بخلق الله، وهي أيضًا صفة عميقة المعاني، ومن يتأمل هذه المفردة يجدها كالشلال بل أعظم في مقاصدها وأثرها على سلوك الإنسان، وهي من أنبل الصفات الإنسانية التي يجب أن يتحلى ويتخلق بها الإنسان في تعامله في كل مراحل حياته، رحمة لا تقتصر على إنسان دون آخر، رحمة تتجلى في التعامل مع كافة المخلوقات من أصغرها وأضعفها الى أكبرها وأقواها، رحمة تنتقل من إنسان لإنسان آخر، رحمة على الحيوان والنبات، رحمة في الانسانية بالتعامل مع كل أشكال البشر وأجناسهم وجنسياتهم وألوانهم.

*ترويقة:*
أجمل شيء ممكن تقديمه للناس هي الرحمة، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، والراحمين يرحمهم الله، وخلاصة القول:
إن الرحمة روح الكون، وهي أشمل لكل معاني الجمال السلوكي الإنساني والثقافي، والشريعة في جوهرها أتت لخدمة الإنسان، وإحياء هذه المعاني التي تعزز كرامته وجودة حياته.

*ومضة:*
قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*

عبدالله الحائطي

المشرف العام و رئيس التحرير لصحيفة الآن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى