30 أيلول القادم.. هل يتحول موعد تسليم سلاح الفصائل إلى بداية..؟ أم بداية بلا نهاية..؟

 اللواء الركن فيصل الدليمي 

إن حصر السلاح بيد الدولة هو الأساس الحقيقي لبناء دولة قوية ومهابة، ولا يمكن لأي بلد أن يستقر وينهض بوجود سلاح خارج إطار الدولة والقانون. إن تسليم سلاح الفصائل المسلحة إلى الحكومة هو خطوة وطنية شجاعة لإنهاء ازدواجية القرار، وتثبيت هيبة الدولة وسيادة القانون، ليكون الجيش والقوات الأمنية الرسمية وحدها المسؤولة عن حماية الوطن والمواطن.

لم يعد السؤال في العراق اليوم: هل الحكومة قادرة على حصر السلاح بيد الدولة قبل 30 أيلول الجاري؟ بل هل لا تزال الحكومة تعتبر هذا التاريخ موعداً نهائياً من الأساس؟

فبعد أسابيع من التأكيدات الرسمية بأن نهاية شهر أيلول تمثل خطاً فاصلاً بين مرحلة السلاح المنفلت ومرحلة سيادة الدولة، تتحدث مصادر سياسية عن توجه حكومي جديد يعيد تعريف الموعد بوصفه “بداية مسار لتنظيم السلاح” لا نهاية لمهلة محددة لتسليمه.

وبين عبارتي “حصر السلاح” و “تنظيم السلاح” فارق جوهري؛ فالأولى تعني إنهاء وجود القوة المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، بينما قد تسمح الثانية ببقاء السلاح والفصائل مع وضع قيود تفاوضية على حركته واستخدامه.

هناك من يقول إن الأمر ذاهب من موعد نهائي إلى لجنة تفاوضية، حيث ذكرت مصادر مطلعة أن اتفاقاً يجري إعداده بين الحكومة والفصائل يتضمن تشكيل لجنة تشرف على تنظيم السلاح، وأن بياناً بهذا الشأن قد يصدر عن قادة الإطار التنسيقي. وبحسب تلك المصادر، قد تتجه الحكومة إلى اعتبار 30 أيلول نقطة انطلاق لمسار طويل من دون تحديد موعد واضح لإنجازه، كما يجري البحث عن صيغة تمرر الأيام التالية للموعد دون مواجهة عسكرية بين القوات الحكومية والفصائل الرافضة من جهة، والجانب الأمريكي من جهة أخرى.

لكن الحكومة لم تصدر حتى الآن تأكيداً رسمياً لهذه المعلومات، ولم تقدم للرأي العام جدولاً زمنياً بديلاً أو تعريفاً واضحاً لمصطلح “تنظيم السلاح”. وهنا تكمن المشكلة: إذا لم يعد 30 أيلول موعداً نهائياً، فما هو الموعد الجديد؟ وما هي الإجراءات التي ستتخذ ضد من يرفض؟ ومن سيضمن ألا تتحول اللجان والمفاوضات إلى غطاء لتمديد الوضع القائم؟

لقد اكتسب موعد 30 أيلول أهمية خاصة لأنه تزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، ولأن بقاء القوات الأجنبية استخدم طويلاً مبرراً لاستمرار سلاح الفصائل. وحسب بعض الوكالات، تعهد رئيس الوزراء بعد اجتماعه مع الرئيس الأميركي ترامب في تموز الماضي بمعالجة ملف الجماعات المسلحة بحلول 30 أيلول. بالمقابل، هناك خمسة فصائل متحالفة مع إيران رفضت الموعد، وربطت أي حوار بضمان عدم عودة القوات الأميركية وإنهاء ما تصفه بالنفوذ الأميركي في القرارين السياسي والاقتصادي والمالي.

وتقدر مصادر أمنية أن الجماعات المنضوية تحت ما يعرف بـ “المقاومة الإسلامية في العراق” تمتلك عشرات الآلاف من المقاتلين، فضلاً عن صواريخ وطائرات مسيّرة وأسلحة متنوعة ومصالح اقتصادية واسعة. لذلك فالقضية اليوم لا تتعلق بجمع بنادق متفرقة، بل بمنظومة عسكرية وسياسية واقتصادية أصبح لها حضور ونفوذ داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

هل انسحاب أمريكا يسقط الذريعة؟ كانت الفصائل تقول إن وجود القوات الأميركية هو ما يمنعها من تسليم سلاحها، وكانت كل الحكومات العراقية تربط تنفيذ برنامج حصر السلاح بانتهاء مهمة التحالف الدولي. ومع اقتراب موعد الانسحاب الأمريكي يفترض أن تسقط هذه الذريعة. لكن ما يحدث اليوم وفق التسريبات، هو محاولة تحويل يوم 30 أيلول من موعد لمحاسبة وحصر السلاح الخارج عن الدولة إلى موعد للاحتفال بانسحاب القوات الأجنبية، مع إبعاد ملف الفصائل عن واجهة المشهد حتى لا تواجه الحكومة سؤال التنفيذ من عدمه.

إن انسحاب القوات الأجنبية خطوة سيادية مطلوبة، لكنها لا تكتمل مع بقاء قوى مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية. فلا معنى لسيادة ترفض السلاح الأجنبي ثم تتسامح مع سلاح داخلي مرتبط بقرارات ومصالح إقليمية.

هل الحكومة أمام إدارة السلاح أم شرعنة بقائه؟ تتحدث مقترحات متداولة عن استبدال “نزع السلاح” أو “تسليمه” بمفهوم “إدارته”، بمعنى أن يبقى في مخازن الفصائل، لكن لا يستخدم إلا بموافقة القائد العام للقوات المسلحة. وهذه الصيغة تثير أسئلة خطيرة: من يسيطر فعلياً على المخازن؟ ومن يحصي الصواريخ والطائرات المسيّرة؟ وهل تخضع المواقع للتفتيش الحكومي المستقل؟ وهل تفك الفصائل ارتباطاتها الخارجية؟ وهل تتوقف أنشطتها الاقتصادية ومكاتبها؟ وماذا يحدث إذا رفض فصيل أوامر القائد العام؟

إن بقاء السلاح والقيادات والهياكل ومصادر التمويل كما هي، مع وعد بعدم الاستخدام، لا يمثل حصراً للسلاح، وإنما هدنة قابلة للانهيار عند أول أزمة داخلية أو إقليمية.

من جانب آخر، تخشى الحكومة أن يؤدي تطبيق الموعد بالقوة إلى صدام داخلي، خصوصاً مع رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها وإصرارها على ربط الملف بمواقف إقليمية. وهذا القلق مفهوم، فحماية الدم العراقي واجب، ولا يجوز دفع البلاد إلى اقتتال داخلي. لكن تجنب المواجهة لا يعني التخلي عن سيادة الدولة أو تمديد الأزمة من دون سقف زمني.

يمكن للحكومة اليوم اعتماد مسار تدريجي، شرط أن يكون معلناً وملزماً وقابلاً للقياس: تسجيل الأسلحة، وتسليم الصواريخ والمسيّرات، وإغلاق المعسكرات غير الرسمية، وإنهاء المظاهر المسلحة، ووقف التمويل الموازي، ثم دمج الأفراد المؤهلين داخل المؤسسات الأمنية وفق القانون. أما تشكيل لجنة جديدة بلا صلاحيات ولا مواعيد محددة ولا رقابة، فلن يكون سوى ترحيل وتأجيل للمشكلة.

إن الاختبار اليوم ليس في الكلمات، ويجب ألا يتحول 30 أيلول إلى لعبة لغوية بين “الحصر” و “التنظيم” و “الإدارة”. القضية لا تتعلق بالمصطلحات، بل بسؤال واضح: هل تمتلك الدولة وحدها السلاح وقرار استخدامه أم لا؟

وإذا كان التنفيذ الكامل يحتاج إلى وقت إضافي، فعلى الحكومة أن تصارح العراقيين والرأي العام، وأن تعلن جدولاً زمنياً محدداً ومراحل واضحة ونتائج يمكن التحقق منها. أما إعادة تعريف الموعد بعد اقترابه، من دون إعلان رسمي أو التزامات بديلة، فتعني إضعاف هيبة الدولة، وقد تكون عواقبه لا سمح الله ليست في صالح المصلحة العامة.

لقد شهد العراق لجاناً ومفاوضات وتعهدات كثيرة، بينما بقي السلاح خارج السيطرة الرسمية يتوسع ويطور صواريخه ومسيّراته ومصادر تمويله. ولهذا فإن الخشية الحقيقية ليست من تأجيل 30 أيلول بضعة أسابيع، بل من تحويله إلى بداية بلا نهاية، قد تبدأ بلجنة وتمتد بحوار، وهذا قد يثير حفيظة الأمريكان لأي إجراء..
نسأل الله ان يحفظ العراق العزيز وشعبه الكريم ..
{ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين }..
{إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } صدق الله العظيم
وإن غداً لناظره قريب…
وإلى الله ترجع الأمور…

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24