السودان: الاستعداد لمرحلة التعافي المبكر.
" وجه الحقيقه "

✍️ إبراهيم شقلاوي :
مع تزايد المؤشرات التي تعكس اقتراب السودان من مرحلة ما بعد الحرب، يبرز دور الأمم المتحدة ممثلة في برنامجها الإنمائي، كأحد الفاعلين الرئيسيين في جهود التعافي وإعادة الإعمار. وصول ممثلي البرنامج إلى السودان يؤكد على التزام المجتمع الدولي بدعم البلاد في هذه المرحلة ، حيث يتطلب الانتقال من الحرب إلى السلام استراتيجية متكاملة تشمل التنمية المستدامة، وإعادة بناء المؤسسات، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. في هذا المقال نتعرض للجهود المبذولة لأجل تسريع التعافي في جانب مجهودات البرنامج التنموي.
الخطوةَ تؤكد بداية مرحلة جديدة في السودان، حيث أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP” “عن وصوله إلى البلاد كأول جهة دولية تستعد للمساهمة في جهود إعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب. يأتي ذلك في ظل تحركات حكومية واسعة لتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين. حيث أكد عضو مجلس السيادة مساعد القائد العام الفريق مهندس إبراهيم جابر، خلال لقائه أمس الأول بالأمين العام المساعد للأمم المتحدة عبد الله الدردري، على التزام الحكومة السودانية بتوفير بيئة عمل ملائمة للمنظمات الدولية والإقليمية الراغبة في المساهمة بمرحلة التعافي والاستدامة لمشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وشدد على أهمية التنسيق المشترك بين السودان ووكالات الأمم المتحدة لضمان تنفيذ مشروعات التنمية وإعادة الإعمار بصورة فعالة. في المقابل أوضح الدردري أن اللقاء بحث الاستعدادات لمرحلة التعافي المبكر وأهمية استمرار العمل الإنساني بالتوازي مع جهود التنمية، مع التركيز على تأمين التمويل للاستثمارات في برامج التنمية المحلية المتكاملة.
السودان كما هو معلوم يحتل مرتبة متقدمة ضمن الدول الأكثر تأثرًا بتغير المناخ وفقًا لمصفوفة مبادرة التكيف العالمية لجامعة نوتردام، حيث يأتي في المرتبة الثامنة من حيث القابلية للتأثر بالمناخ من بين 185 دولة.”CNBCعربية” هذه المؤشرات تعكس تحديات كبيرة تتعلق بتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، حتى في غياب الصراع. كما أن تدهور الموارد الطبيعية يزيد من صعوبة تجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مما يتطلب تدخلًا عاجلًا من المنظمة الأممية لتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات البيئية.
في إطار الجهود الرامية لتحسين إدارة المخاطر شهد السودان مؤخرًا بحسب “اعلام وزارة الري السودانية” افتتاح غرفة الإنذار المبكر في مدينة بورتسودان بحضور وكيل الوزارة وعدد من القيادات والدفاع المدني ، بتمويل من الوكالة الإيطالية للتنمية وبالتعاون مع منظمة “CIMA” البحثية. هذه الخطوة تعكس وعيًا متزايدًا بضرورة بناء أنظمة إنذار مبكر لمواجهة التحديات المناخية، خصوصًا في ظل تصاعد تأثيرات الفيضانات والجفاف. كما استضاف السودان ورشتي عمل لتعزيز القدرات الوطنية في مجال الإنذار المبكر، بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية متخصصة، بهدف تحسين الاستجابة للكوارث وضمان تفاعل فعال بين مختلف الجهات المعنية.
كذلك ضمن جهود بناء القدرة استضاف السودان في وقت سابق ورشتي عمل حول الإنذار المبكر ضد الكوارث في إطار مبادرة “الإنذار المبكر للجميع”، بالتعاون مع وكالات أممية منها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والاتحاد الدولي للصليب الأحمر. ركزت الورشة الأولى على تقييم الوضع الحالي لأنظمة الإنذار المبكر في السودان، في حين ركزت الورشة الثانية على تعزيز المعرفة بالمخاطر، مع دراسة سيناريوهات فيضانات أثرت على ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف. خلص المشاركون إلى ضرورة تحسين جمع البيانات، وتعزيز أنظمة التنبؤ، وضمان فعالية التواصل والاستجابة السريعة.
في الوقت الذي تتقدم فيه جهود إعادة الإعمار، تواجه البلاد تحديات سياسية خطيرة، أبرزها إعلان مليشيا الدعم السريع وقوى سياسية متحالفة معها عن توقيع ميثاق سياسي في نيروبي، يهدف إلى تشكيل حكومة موازية في المناطق التي يسيطرون عليها.
هذا التطور أثار تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب عن قلقه البالغ من أن هذه الخطوة تهدد وحدة السودان وتزيد من تفتيت البلاد، ما قد يؤدي إلى تعقيد الأزمة وتعميق حالة عدم الاستقرار. وأكد غوتيريش أن أي حل مستدام يجب أن يحترم سيادة السودان وسلامة أراضيه، محذرًا من أن تشكيل حكومات موازية قد يفاقم الصراع ويعيق جهود السلام.
تعكس هذه التطورات التوجه نحو تبني رؤية شاملة لإعادة إعمار السودان، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، تعزيز الشراكات الدولية، معالجة الأزمات البيئية والمناخية، وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان استدامة الموارد. ومع استمرار هذه الجهود، فإن نجاح السودان في العبور إلى مرحلة الاستقرار سيتوقف على قدرته في تحويل الدعم الدولي إلى مشاريع ملموسة، تعزز الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وتضع أسسًا متينة لسلام دائم. هذا يستوجب ان تنهض المؤسسات الحكومية والوزارات المعنية برغم ماتعانية من ظروف الحرب في سرعة الاستجابة لإنفاذ هذه البرامج وهنا أعني وزارة الري ووزارات البنية التحتية والزراعة والرعاية الاجتماعية ووزارة المالية بجانب مؤسسات القطاع الخاص.
هذا وبحسب ما نراه من وجه الحقيقة فإن السودان يواجه لحظة حاسمة في تاريخه، حيث تقف البلاد بين فرصة لإعادة البناء وتحديات سياسية كبيرة عقب اجازة تعديلات الوثيقة الدستورية للعام 2025 م والتي تؤسس لمرحلة جديدة من الحكم. إن نجاح السودان في تجاوز أزمته يعتمد على قدرته على تحقيق التوازن بين إعادة الإعمار، وإدارة الموارد بفعالية، وتعزيز الاستقرار السياسي عبر رؤية وطنية شاملة تدعمها شراكات دولية مستدامة. لكن يبقى السؤال: هل يستطيع السودان تجنب سيناريو التفكك والانزلاق إلى مزيد من الأزمات، أم أن قيادة الحكومة بمجلسيها السيادي الوزراء قادرة علي تجاوز هذه التحديات؟.
دمتم بخير وعافية.
الاربعاء 26 فبراير 2025 م. [email protected]